خارطة طريق للغاز: من التصدير المحفوف بالمخاطر إلى السيادة الطاقوية الموريتانية

تقف موريتانيا اليوم عند مفترق طرق حاسم في مسارها الاقتصادي. فمشروع الغاز «تورتو أحميم الكبير»، المشترك مع السنغال، لا ينبغي أن يُختزل في كونه مشروعًا لتصدير الغاز المسال، بل يمكن أن يشكل ركيزة لتحقيق السيادة الطاقوية وبناء قاعدة صناعية واقتصادية وطنية متينة.

 

 

من الهشاشة إلى الصمود: تطور المشروع

 

 

تُظهر المراحل المختلفة للمشروع مسارًا تدريجيًا نحو الاستقرار المالي والطاقوي الوطني:

 

المرحلة الأولى (2.45 مليون طن من الغاز المسال و5600 برميل يوميًا)

 

عائد محدود عند أسعار تقل عن 60 دولارًا للبرميل، ومديونية مرتفعة، وحصة ضعيفة لموريتانيا، مع توقعات بسداد الدين فقط بحلول عام 2048، وهو سيناريو غير مستدام على المدى الطويل.

 

المرحلة الأولى المعاد تمويلها (2.7 مليون طن سنويًا)

 

تحسنت فيها الجدوى الاقتصادية واستقرت قيمة الغاز عند 1.47 دولار لكل مليون وحدة حرارية (عند سعر 65 دولارًا للبرميل).

 

المرحلتان 1A و1B (2.7 مليون طن + 9800 برميل يوميًا + 200 مليون قدم مكعب محليًا)

 

تمثل هذه المراحل نقطة التحول الحقيقية، إذ أُدخل الغاز إلى السوق المحلية لتلبية احتياجات الكهرباء والصناعة. وبذلك تُسدد الديون بالكامل تقريبًا في أفق 2033–2034، مع بدء تدفقات مالية مباشرة لصالح الشركة الموريتانية للمحروقات والمديرية العامة للضرائب.

 

المرحلة الثانية (توسعة وحدة الغاز المسال العائمة – 5.4 مليون طن + 14 ألف برميل يوميًا + 200 مليون قدم مكعب محليًا)

 

تضاعف الإنتاج وتُرفع القيمة إلى 3.61 دولار لكل مليون وحدة حرارية، ما يعزز موقع موريتانيا كمصدر إقليمي للطاقة.

 

المرحلة الثالثة (توسعة منصة GBS – 10 ملايين طن + 23.5 ألف برميل يوميًا + 200 مليون قدم مكعب محليًا)

 

تمثل هذه المرحلة ذروة التحول، إذ يُتوقع أن تسترجع موريتانيا 9.94 تريليون قدم مكعب من الغاز بحلول عام 2050، بعائدات إجمالية تقارب 26 مليار دولار، مع تسديد الديون قبل عام 2042.

 

 

 

المؤشرات الاقتصادية الأساسية

 

 - إجمالي الاستثمارات في جميع المراحل يبلغ نحو 19.8 مليار دولار.

 - الإيرادات المجمعة للشركة الموريتانية للمحروقات والمديرية العامة للضرائب تصل إلى 26 مليار دولار.

 - الفائض الصافي بعد الاستثمارات يناهز 6.2 مليارات دولار.

 - عائدات الدولة من بيع الغاز المستخرج ترتفع من 0.7 دولار للوحدة في المرحلة الأولى إلى 4.79 دولار للوحدة عند اكتمال جميع المراحل، وهو ما يعكس التحسن الكبير في مردودية المشروع وأهمية الإسراع في تطوير جميع مراحله دون تأخير.

 

 

 

الدرس السنغالي: نموذج الشبكة الغازية الوطنية

 

 

في الوقت الذي لم تستكمل فيه موريتانيا بعد تنظيم سوقها الداخلي للغاز، قطعت السنغال شوطًا مهمًا بإنشائها الشبكة الغازية الوطنية (RGS)، التي تربط بين سانت لويس وداكار وتييس، وتمتد نحو كاولاخ وتامباكوندا لتغذية محطات الكهرباء والمناطق الصناعية بالغاز.

• الطاقة الأولية للشبكة: 200 مليون قدم مكعب يوميًا قابلة للتوسعة إلى 400 مليون.

• الكلفة الإجمالية: بضع مئات من ملايين الدولارات.

• فترة التشغيل: بين عامي 2026 و2027.

• النتيجة: انخفاض تكلفة الكهرباء بنسبة تتراوح بين 40 و50%، وتحسن واضح في القدرة التنافسية للصناعات الوطنية.

 

وقد أكد الرئيس التنفيذي للشركة، أندي إنغليس، خلال «أسبوع الطاقة الإفريقي 2025»، أن البنية الحالية قادرة على تزويد السوق المحلية بـ200 مليون قدم مكعب إضافية من الغاز يوميًا دون أي استثمار جديد، وهو ما يمكّن السنغال من الاستفادة الفورية عبر شبكتها الوطنية.

 

 

 

الحاجة إلى تحرك موريتاني عاجل

 

 

أثبتت التجربة السنغالية أن سياسة غازية جريئة يمكن أن تحول دولة مصدّرة للمواد الخام إلى قوة صناعية ناشئة.

ولذلك، فإن تأخر موريتانيا في بناء بنيتها التحتية الغازية قد يجعلها خارج ديناميكية النمو الإقليمي التي أطلقتها السنغال.

 

 

 

مشروع النظام الغازي الموريتاني (MGS)

 

يتعين على موريتانيا تنفيذ مشروع شبكة وطنية متكاملة لنقل الغاز تمتد من ندياغو إلى نواكشوط ثم نواذيبو بطول يقارب 600 كيلومتر، لتأمين حصة يومية قدرها 200 مليون قدم مكعب من الغاز المحلي.

• مدة التنفيذ: 24 شهرًا.

• الاستخدامات الرئيسية:

1. توليد الكهرباء بطاقة تصل إلى 1.7 غيغاواط.

2. تغذية مصانع الأسمدة والحديد والإسمنت.

3. تزويد الشركة الوطنية للصناعة والمناجم ومشاريع الهيدروجين والأمونياك بالطاقة.

 

 

 

العوائد الاقتصادية المتوقعة

 

 

• خفض واردات الوقود بأكثر من 400 مليون دولار سنويًا.

• خلق قيمة محلية تراكمية بين 8 و10 مليارات دولار خلال عقدين.

• تعزيز فرص العمل الوطني وزيادة الإيرادات العمومية.

• تسديد الديون المرتبطة بالمشروع قبل عام 2042.

• تحقيق عائدات إجمالية تقارب 26 مليار دولار خلال 25 عامًا.

 

 

 

المكاسب الاستراتيجية لموريتانيا

 

1. تحقيق السيادة الطاقوية وإنهاء التبعية للمنتجات البترولية المستوردة.

2. توفير طاقة منخفضة الكلفة تدعم التصنيع الوطني.

3. تعزيز التحول نحو اقتصاد أخضر وتقليل الانبعاثات الكربونية.

4. تأمين موارد مالية مستقرة ومستدامة للدولة.

 

 

 

خارطة الطريق المقترحة

 

1. إقرار المرحلتين الثانية والثالثة من مشروع «تورتو أحميم الكبير» لرفع القدرة الإنتاجية إلى 10 ملايين طن سنويًا.

2. تحسين أداء المرحلة الأولى لزيادة الإنتاج إلى 2.7 مليون طن وتعزيز الربحية.

3. إطلاق مشروع النظام الغازي الموريتاني (MGS) لتأمين 200 مليون قدم مكعب يوميًا للسوق المحلي.

4. إنشاء العمود الغازي الرابط بين ندياغو – نواكشوط – نواذيبو.

5. تطوير القدرات المؤسسية للشركة الموريتانية للمحروقات والمديرية العامة للضرائب والهيئاتالتنظيمية.

 

 

إن التزام موريتانيا بهذه الخارطة سيتيح لها استغلال 9.94 تريليون قدم مكعب من الغاز، وتحقيق عائدات تفوق 26 مليار دولار، وضمان استقلالها الطاقوي، ووضع أسس اقتصاد صناعي متنوع ومستدام.

 

لقد أدركت السنغال مبكرًا أهمية دمج الغاز في الاقتصاد الوطني عبر شبكتها الغازية الوطنية، فيما لا تزال أمام موريتانيا فرصة حقيقية للحاق بالركب عبر تنفيذ مشروع النظام الغازي الموريتاني، وجعل «تورتو أحميم الكبير» حجر الأساس في مسار السيادة والازدهار المستقبلي.

 

 

محمد نور الدين 

 محلل في شؤون الطاقة والغاز الطبيعي - مهندس بترول وغاز

جمعة, 07/11/2025 - 10:48