قراءة في مشروع ميزانية 2026

يمثل مشروع قانون المالية لسنة 2026 محطة محورية في تطور منظومة المالية العامة في موريتانيا، إذ يأتي في سياق إصلاحات بنيوية تهدف إلى الانتقال من منطق التسيير التقليدي إلى مقاربة الميزانية حسب البرامج والأداء، بما ينسجم مع أحكام القانون النظامي لقوانين المالية لسنة 2018 .

 

 

أولًا: الإطار الإصلاحي العام

 

 

يشكل هذا المشروع قطيعة مع النظام القديم الذي كان يهيمن عليه الطابع الإداري وضعف وضوح النتائج، ويؤسس لمرحلة جديدة ترتكز على الفعالية والشفافية والمساءلة. ويقوم الهيكل الجديد للميزانية على 108 برامج و24 مخصصًا، تعكس أولويات التنمية الوطنية المستمدة من البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ومن الاستراتيجيات القطاعية للحكومة .

 

 

ثانيًا: مقاربة الأداء والحوكمة المالية

 

 

اعتمد إعداد مشروع القانون على آلية التحكيم الميزانوي المبني على الأداء، حيث لم يعد تخصيص الاعتمادات المالية مجرد امتداد للسنوات السابقة، بل أصبح مشروطًا بنتائج ملموسة ومؤشرات قابلة للقياس. ولأول مرة، أُدرجت مشاريع الأداء السنوية كملاحق للميزانية، تبيّن الأهداف التشغيلية ومؤشرات المتابعة والتقييم لكل قطاع. ويهدف هذا إلى ترسيخ ثقافة التقييم والمساءلة وربط الموارد بالنتائج .

 

 

ثالثًا: السياق الاقتصادي

 

1. السياق الدولي

 

يأتي المشروع في ظرف دولي مطبوع بتقلبات اقتصادية وتزايد النزعة الحمائية، حيث قدر صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3% في 2026، مع استمرار التضخم عند مستويات معتدلة في حدود 4% عالميًا .

 

 

2. السياق الوطني

 

يعوّل الاقتصاد الوطني خلال الفترة 2025–2029 على انتعاش القطاعات غير الاستخراجية، خاصة الزراعة والصيد والخدمات، إضافة إلى بدء إنتاج الغاز الطبيعي وارتفاع طفيف في إنتاج الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (SNIM). ويتوقع أن يبلغ النمو الاقتصادي 5.1% سنة 2026 مقابل 4.1% سنة 2025، بينما يستقر معدل التضخم دون 2% بفضل تحسن البيئة الدولية واستقرار الأسعار المحلية .

 

 

رابعًا: التوجهات العامة للميزانية

 

تتمثل أولويات مشروع قانون المالية لسنة 2026 في:

 

- تعبئة الموارد الداخلية عبر تحديث النظامين الضريبي والجمركي.

- التحكم في النفقات الجارية وتوجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج.

- تعزيز الاستثمار العمومي كمحرّك للنمو وخلق فرص العمل.

- الحفاظ على استدامة المالية العامة والتوازنات الاقتصادية الكبرى .

 

 

خامسًا: المشاريع الممولة

 

تضم الميزانية مشاريع كبرى ضمن برنامج الرئيس، منها:

 

- توسعة محطة الطاقة الهجينة بقدرة 60 ميغاوات إضافية (1.55 مليار أوقية).

- شبكات الطرق الداخلية مثل طريق تجكجة–كيفه–سيليبابي (993.9 مليون أوقية) وطريق أطار–شنقيط (253.6 مليون أوقية).

- مشاريع المياه مثل تزويد مدينة كيفه من نهر السنغال (750 مليون أوقية) وتعزيز إمداد نواكشوط بالمياه من حوض إديني (306 مليون أوقية).

- برنامج “تكافل” للحماية الاجتماعية (1.384 مليار أوقية) وصندوق دعم سكن المدرسين (600 مليون أوقية) .

 

 

سادسًا: التوازنات المالية

 

-الإيرادات الإجمالية: 128.79 مليار أوقية، بزيادة 10.1% عن سنة 2025، مدفوعة بتحسن تعبئة الموارد الضريبية وارتفاع عائدات الصيد والمعادن.

-النفقات الإجمالية: 132.18 مليار أوقية، أي زيادة قدرها 13 مليار أوقية، موجهة أساسًا للاستثمار.

-العجز الميزانوي: 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى قابل للاستدامة .

 

 

سابعًا: الخلاصة

 

يُجسّد مشروع قانون المالية لسنة 2026 تحولًا مؤسسيًا وهيكليًا في إدارة المالية العامة بموريتانيا، إذ يسعى إلى تحقيق التوازن بين متطلبات النمو السريع وضوابط الانضباط المالي. ويكرّس المشروع التزام الحكومة بالحوكمة الرشيدة، وتحسين كفاءة الإنفاق العمومي، وضمان الشفافية في إدارة الموارد، بما يدعم رؤية تنموية مستدامة وشاملة تعود بالنفع المباشر على المواطن والاقتصاد الوطني.

ثلاثاء, 04/11/2025 - 18:52