
1. كما يحدث بعد كل قرار دولي يتعلق بقضية الصحراء الغربية، ينبري الاحتلال منذ الوهلة الأولى في مباشرة مجهود دعائي ضخم لفرض تأويله، وإبراز العناصر الكبرى لسرديته على المستوى الداخلي والخارجي. القرار 2797 لم يكن استثناء، فقد انبرت الآلة الدعائية المغربية منذ تسريب المسودة الأولى إلى دق طبول “حسم الملف” ورفع رايات النصر، لتفضي إلى السيناريو المحضر سلفًا، والذي بدأ بخطاب ملك المغرب وانتهى بإخراج الآلاف إلى الاحتفال، في مشهد أقرب ما يكون لتمرين تضليلي في “بيع جلد الدب قبل اصطياده”. الهدف هو وضع أركان سردية مغالطة بناء على تأويل خاطئ، أو على الأقل غير دقيق، لمواصلة التملص من الالتزام الدولي بالحل السلمي على أساس القانون والشرعية الدولية.
2. في الضفة المقابلة، عند الشعب الصحراوي تبرز العديد من الأصوات، دون وعي، لتُعزز تلك السردية من خلال التركيز وإمعان النظر في الربع الفارغ من كأس القرار المتعلق بالدعوة “إلى مفاوضات مباشرة على أساس مقترح المغرب”، وصرفه عن الأرباع الثلاثة الممتلئة الأخرى، وهي:
أولاً: حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وفقا لمبادئ وميثاق الأمم المتحدة، باعتباره الهدف النهائي لعملية تصفية الاستعمار وتحديد الوضع النهائي للإقليم فيما يتعلق بالسيادة، والتي رفض المجلس مسعى المسودة الأولى الهادف إلى منحها للمغرب.
ثانياً: إطار التفاوض ليس حصريًا على مقترح المغرب و”الذي قد لا يقود إلى الحل النهائي” كما كانت تريد المسودة الأولى، حيث أكد القرار على ضرورة التفتح على المقترحات الأخرى، في إشارة ضمنية واضحة إلى المقترح الصحراوي بهدف التوصل إلى حل متفق عليه بين طرفي النزاع، وهو ما يعني أن نفس حق الفيتو الذي يمتلكه المغرب تمتلكه جبهة البوليساريو أيضًا.
ثالثًا: إطار الوساطة يبقى في الأمم المتحدة، وبيد أمينها العام ومبعوثه الشخصي وبعثتها مينورسو التي تم تمديد مأموريتها لعام كامل، خلافًا لثلاثة أشهر الواردة في المسودة الصفر، والتي كانت تتماشى مع مقاربة خنق وتصفية القضية قبل 31 يناير 2026. التركيز على الإطار يأتي لقطع الطريق أمام محاولة بعض القوى اختطاف المسار وتصريفه بناءً على مواقفها المؤيدة للاحتلال.
3. تلك هي العناصر الأبرز التي ينبغي، بل يجب على الشعب الصحراوي رسميًا وشعبيًا، الدفع بها في تأويل القرار والتأسيس للسردية الصحراوية فيما يتعلق به. لا أحد يريد المغالطة بادعاء انتصار غير موجود. لكن، في المقابل، ليس من المقبول أن نسقط في فخ إعادة إنتاج عناصر السردية المغربية، التي تهدف إلى بيع “انتصار وهمي” للرأي العام المغربي في سياق التصدعات الداخلية التي تركها زلزال جيل Z، وكذا تحديات انتقال السلطة وهزات التطبيع الارتدادية. كما تهدف أيضًا إلى جعل الشعب الصحراوي يتجرع “سم هزيمة وهمية”، والرهان على ما يترتب عنها من انهزامية، ستكون كفيلة بشل قدرة الجسم الوطني على رفع التحدي لاستكمال ما تبقى من المسيرة.
4. يكفي فقط أن نقارن، ولو على عجالة، بين نص المسودة الأولى والقرار، لنعرف حجم الخسارة التي مني بها المغرب وحلفاؤه؛ من تصور متغطرس بالقفز على القانون وإخضاع المجلس للأجندات الوطنية ومصادرة الحق وتسليم الأرض في ثلاثة أشهر، إلى الإقرار بالحق في تقرير المصير، والدعوة للتفاوض بشكل غير حصري أو إقصائي، وجعل الأمم المتحدة الإطار السياسي والإجرائي للعملية. لقد أتى المغرب 2025 ليقبض “الثمن المؤجل” للتطبيع ديسمبر 2020، ولم يقبض سوى “تأجيل المؤجل أصلا، وربما أبدا”.
5. رب ضارة نافعة، إذ أن الجدل ورفض غالبية أعضاء المجلس للمسودة الأولى، وفرض تعديلات جوهرية، يكون قد كرس الانطباع لدى حاملة القلم ولدى فرنسا، أن “رياضة” القفز على القانون الدولي قد لا تكون ناجعة ولا ناجحة في جميع الحالات، وأنها محفوفة بالمخاطر في الصحراء الغربية، وأن النزاع وإن كان هامشيًا ضمن المشهد الدولي الساخن اليوم، إلا أنه مركزي فيما يتعلق بالقانون والشرعية الدولية. امتناع عضوين دائمين هو فيتو مؤجل في أفق المواعيد القادمة.
6. الديناميكية الجديدة تعطي للشعب الصحراوي وللبوليساريو القاعدة والثقة الكافيتين لمواجهات المواعيد القادمة، بما فيها المفاوضات المباشرة، في وضع أقل ما يقال عنه أنه مقبول. لكن القاعدة القانونية القوية آيلة إلى التآكل حتمًا إذا لم يتم دعمها بمجهود وطني استثنائي من أجل بناء القوة الذاتية وتفعيل جبهات الفعل الوطني الكبرى وضمان تناغمها لخلق الفارق المطلوب. عملية ينبغي أن تتم بالرزانة والذكاء المطلوبين دون شطط ولا مزايدة، لأن أكثر الأدوية ضررًا بصحة القضية الصحراوية في هذا الظرف الخطير والمعقد الذي يمر به العالم هو الشعبوية؛ جرعة زائدة منها قد تكون قاتلة بالفعل.
أبي بشريا البشير
قيادي في جبهة البوليساريو



.jpeg)

.jpeg)