
في بلد ما تزال فيه المدرسة الجمهورية تبحث عن مكانتها، ويجاهد فيه الآباء لترسيخ عادة القراءة في نفوس أبنائهم وسط سطوة الهواتف والفيديوهات، يبرز فوز طفلة موريتانية في تحدي القراءة العربي بوصفه خبرًا مشرقًا يعيد الثقة في دور الكتاب والمعرفة والخيال.
غير أن طريقة الاحتفاء بهذا الفوز، كما ظهرت في صورة متداولة تُظهر طفلة تتسلم مبلغا ماليا كبيرا داخل صندوق مفتوح أمام الكاميرات، تطرح أكثر من سؤال حول الرسالة التربوية والاجتماعية والثقافية التي نحملها لأطفالنا.
إن القراءة، في أصلها، قيمة إنسانية قبل أن تكون مسابقة، وفضيلة تكوينية قبل أن تكون سبيلًا إلى الجوائز. وحين تتحول القراءة إلى وسيلة للحصول على المال، فإن جوهرها يتعرض للتشويه: فبدل أن تصبح طريقًا لاكتشاف الذات والعالم، تتحول إلى صفقة أو استثمار مادي قصير المدى.
الطفل الذي يشاهد هذه الصورة لا يرى:
- الساعات التي أمضتها الطفلة في القراءة،
- ولا الكتب التي التهمتها،
- ولا الكلمات التي وسّعت خيالها.
إنه يرى المال فقط.
يرى الجائزة، لا الرحلة.
وعندما ترتبط قيمة ذهنية مثل التعلم بمكافأة نقدية تُعرض بهذه الطريقة، فإننا نرسّخ دون وعي معادلة خطيرة:
“أقرأ لأربح، لا لأتعلم.”
وهذه المعادلة، لو ترسّخت، فإنها تهدد الفكرة نفسها التي بُنيت عليها المنافسات الثقافية: أن المعرفة غاية في ذاتها، لا وسيلة تجارية.
قد تكون النوايا طيبة.
قد يكون الهدف التشجيع.
لكن التشجيع لا يكون عبر استعراض الثروة أمام الأطفال، بل عبر خلق بيئة تجعل الكتاب حاضرًا في حياتهم اليومية:
مدارس، مكتبات، أندية قراءة، حوارات، ورشات، نوادٍ ثقافية.
فالمكافأة التي تدوم ليست المال، بل العلاقة العاطفية بين الطفل والكتاب.
كان يمكن أن نحتفل بهذا الفوز بشكل مختلف، أكثر نضجًا، أكثر عمقًا:
- مكتبة تُهدى للطفلة ومدرستها.
- نادي قراءة باسمها.
- رعاية تعليمية طويلة المدى.
- تبنّي برنامج لدعم أطفال آخرين على خطاها.
هذا النوع من التكريم يصنع ثقافة، لا مجرد لحظة.
ليست القضية في من قدّم المال، ولا في من تلقّاه، ولا في نوايا أحد.
القضية في الرمز.
فالرموز تصنع الوعي، والوعي يصنع الأجيال.
وإذا أردنا جيلًا:
يقرأ ليستمتع،
ويقرأ ليفهم،
ويقرأ ليبني ذاته وبلده,
فعلينا أن نُعيد للكتاب هيبته، وللفكرة قيمتها.
لا أن نضعها في صندوق المال.



.jpeg)

.jpeg)