
على امتداد أكثر من 260 كيلومتراً، يشق طريق النعمة – باسكنو – فصالة قلب الحوض الشرقي متجهاً نحو الحدود المالية. طريقٌ من المفترض أن يُسهِّل العبور والتجارة وحركة المواطنين وعمل المنظمات الإنسانية، وأن يكون شريانًا حيويًا في منطقة كثيرة العزلة وقليلة البنية.
لكن الطريق الذي كلّف خزينة الدولة مليارات الأوقية، وتدخلت في تشييده عدة شركات ومكتب استشاري مكلف بالرقابة والإشراف الهندسي، تحول ـ وفق تقرير محكمة الحسابات 2022–2023 ـ إلى واحد من أبرز الأمثلة على الإخفاق الرقابي والهندسي في مشاريع البنية التحتية الوطنية.
الوعود الأولى
حين انطلقت الأشغال، قُدمت الوعود على أنها ستنتهي في آجال مضبوطة، وبجودة تتوافق مع المعايير الطرقية الدولية، وبمتابعة هندسية دقيقة تكفل عمرًا فنياً لا يقل عن عشر سنوات.
لكن ما حدث كان شيئًا آخر تمامًا.
تأخير بلا مبرر… ثم أعذار جاهزة
تكشف محكمة الحسابات أن المشروع تأخر عن آجاله المقررة دون مبررات فنية مقنعة.
الملحقات الزمنية التي مُنحت للمقاولين لم تستند إلى ظروف قاهرة أو أعطال تقنية، بل جاءت في شكل تأجيل مجاني بلا عقاب ولا مساءلة.
الأخطر؟ غرامات التأخير القانونية لم تُطبق.
الطريق الذي تعب قبل أن يكتمل..
في الميدان، تُظهر الصور وعيّنات التربة أن الطريق بدأ يفقد تماسكه بعد سنوات قليلة من الاستغلال:
- تموجات على السطح تعيق السير.
- تشوهات متسارعة على الحواف.
- تشقق الأسفلت في بعض المقاطع.
- انهيارات في منشآت تصريف المياه.
وهذا ما يؤكده التقرير:
سماكة طبقات الأسفلت كانت أقل من المعايير المنصوص عليها
في العقد.
بمعنى أوضح: الطريق أُنجز بسماكات أخف مما دُفِع ثمنه.
مواد بناء… خارج المواصفات
لا يتوقف الأمر عند السماكات.
التحقيقات الفنية التي أشرفت عليها المحكمة مع مهندسين مستقلين بيّنت أن بعض الشركات استخدمت مواد حجرية مسامية لا تصلح للخلطات الإسفلتية، ما يسرّع:
- التشققات
- الانفصال الطبقي
- التآكل بفعل الأمطار والحرارة
وبالتالي: انهيار مبكر للطريق.
أموال دُفِعت مقابل أعمال لم تُنجز
على المستوى المالي، رصد التقرير:
- مبالغ صُرفت مقابل أشغال غير مكتملة
- عدم تنفيذ جزء من برنامج الآبار المصاحبة للطريق
- اختفاء تجهيزات وأدوات كانت ضمن مكونات المشروع
- عدم احترام محاسبة المشروع وتوثيق المقتنيات
ومكتب المراقبة… كان غائبًا..
هنا تكمن العقدة الأساسية:
المكتب الهندسي المكلف بالرقابة، الذي يتقاضى مقابل دوره في:
- مراقبة جودة المواد
- تسجيل السماكات
- إعداد التقارير الدورية
- رفض الأشغال غير المطابقة
لم يقم ـ حسب التقرير ـ بما كان يجب عليه القيام به.
لم يقدّم التقارير بانتظام.
لم يعترض على استخدام مواد رديئة.
لم يفرض إعادة الأشغال غير المطابقة.
بعبارة التقرير: الرقابة كانت شكلية.
الأسئلة التي لا يمكن تجاهلها:
- لماذا لم تُطبق غرامات التأخير؟
- من صادق على كشوفات الأشغال غير المكتملة؟
- لماذا لم يتحمل مكتب المراقبة مسؤوليته التعاقدية؟
- من يحمي المال العام حين تغيب الرقابة؟
- والأهم… هل سيدفع المواطن مرة أخرى كلفة إعادة بناء الطريق؟
القضية ليست طريقًا فحسب. إنها نموذج لطريقة التعامل مع المال العام، ومع البنية التحتية، ومع الرقابة الهندسية في موريتانيا.
الطريق الذي كان يفترض أن يصل شرق البلاد بالعالم…
اكتفى بأن يصل الفساد بالإهمال.
وما لم تُفتح تحقيقات شفافة، ويُطبّق الضمان العشري، وتُتحمل المسؤوليات، فإن الطريق سيظل رمزًا مكلفًا لغياب المحاسبة.



.jpeg)

.jpeg)