إعفاء المشمولين في تقرير محكمة الحسابات: عودة إلى منطق الدولة وأخلاقها العام

قرار رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني القاضي بإنهاء مهام جميع الأشخاص الواردة أسماؤهم في تقرير محكمة الحسابات، يندرج ضمن نهج مؤسسي متماسك يعيد الاعتبار لـ منطق الدولة في أسمى معانيه، حيث تعود الأخلاق العامة لتكون العمود الفقري للسلطة.

 

نبرة الرسالة الرئاسية كانت واضحة وحازمة: «لا أحد ممن تورطوا في ممارسات تسيير مشبوهة يجب أن يفلت من المساءلة، أو من العقوبة عند الاقتضاء.»

 

فلقد طال الزمن الذي كانت فيه سوء الإدارة تُتَسامح معها وكأنها قدر محتوم، والاختلاسات تُعامل كأمر عادي، والخطأ العمومي يُخفَّف من وطأته باسم “التضامن المهني”.

 

اليوم، كلمة الدولة أصبحت فعلاً بحد ذاتها؛ فحين يقول الرئيس إن هيئات الرقابة مطالبة بممارسة صلاحياتها «بكل شفافية واستقلالية»، فإنه يُعيد إحياء فكرة الجمهورية التي تُقدّم مبدأ الشرعية على مبدأ الولاء.

 

ومن خلال تصنيف المخالفات بحسب درجتها – من التجاوزات الجسيمة إلى الإهمالات الإدارية – يكون الجهاز التنفيذي قد وضع سُلَّمًا للمسؤولية يحدد بوضوح حدود الخطأ والعقاب.

 

إن إنهاء مهام المسؤولين المذكورين يُعدّ ضربة قوية للنظام القديم، لكنه في الوقت ذاته قد يخلق فراغاً مؤسسياً؛ وهنا يطرح السؤال نفسه: من سيخلفهم؟

وهنا تكمن الدلالة السياسية الحقيقية للقرار: فالمطلوب ليس «نزع الثوب عن بول ليلبسه جاك»، لأن ذلك سيعيد إنتاج حلقة الزبونية التي يُفترض كسرها.

 

لن تنجح عملية إعادة التأسيس إلا إذا كان الدم الجديد الموعود جديداً فعلاً: نساء ورجال أكفاء، نزهاء، يؤمنون بخدمة الدولة كرسالة لا كامتياز.

 

فإن اقتصرت محاربة الفساد على إسقاط رؤوس دون تغيير العقليات، فلن يكون ما تحقق سوى انتصار إعلامي عابر، لا حرباً بنيوية على الفساد الأخلاقي والإداري.

 

ويبقى الأمل أن لا يكون هذا الحراك مجرد رد فعل مؤقت، بل ثورة حقيقية لكرامة الإدارة، تعيد إلى الخدمة العمومية معناها، وإلى الوظيفة العامة شرفها.

 

وإذا تجرأ رئيس الجمهورية على هذه الخطوة، فذلك لأنه أدرك حقيقة أساسية: «إن الأوطان لا تموت من الفقر، بل من خيانة نُخَبها.»

 

محمد ولد الشريف

ثلاثاء, 21/10/2025 - 19:59