الحقيقة التي تُزعج: جدل تقرير محكمة الحسابات يضع الدولة أمام امتحان الشفافية

هناك في المرحلة التي فُتحت عقب نشر تقرير محكمة الحسابات لعام 2022–2023، رائحة واحدة تملأ الجو: رائحة الحقيقة التي بدأت تُزعج.

فموريتانيا ليست غريبة عن تقارير المحكمة، لكن الجديد هو اللحظة السياسية التي تنفجر فيها هذه الحقيقة: لحظة أصبح فيها الشعب أكثر تعليماً، واتصالاً، وأقل خضوعاً، فلم يعد يكتفي بالاستماع إلى الخطابات بل أصبح يُقارنها بالوقائع.

 

حين أكد رئيس محكمة الحسابات أن التقرير لا يكشف عن اختلاسات، بل عن «أخطاء في التسيير»، فقد كان نظرياً يقوم بواجبه: الفصل بين الجرم الجنائي والخطأ الإداري، وبين التحايل والإهمال.

لكن عملياً، كان لهذا التصريح أثر عكسي، إذ غذّى الشكوك بدلاً من تهدئتها.

 

على شبكات التواصل، رأى كثيرون في هذا التوضيح محاولة للتقليل من حجم التجاوزات أو حتى لحماية بعض الشخصيات العامة.

ومع ذلك، فإن قضاة المحكمة أنجزوا هذه المرة عملاً يتميز بصرامة استثنائية: تحقق ميداني، تدقيق وثائقي، واستقصاء شامل. فبعبارات مقتضبة، رسم التقرير صورة نظام إداري متراخٍ تتبدد فيه المسؤولية بين مستويات الهرم البيروقراطي.

 

لماذا التوضيح إذًا؟ لماذا لم يُترك التقرير ليتحدث عن نفسه؟

لأن الحقيقة في موريتانيا، إن لم تُواكب بخطاب، تُستغل وتُؤوّل.

لقد أراد رئيس المحكمة، من خلال ظهوره الإعلامي، حماية المؤسسة من تجاوزات الرأي العام، لكنه وجد نفسه، من حيث لا يدري، أمام محاكمة أخلاقية في بلد جُرح طويلاً من الإفلات من العقاب.

 

أما الوزير الأول، فقد حاول تحويل الصدمة إلى فعل إصلاحي، فطلب من كل وزير تقديم قائمة بالأشخاص المعنيين وخطة عمل محددة المواعيد، في محاولة لإعادة تأكيد سلطة الحكومة وقدرتها على تصحيح مسارها.

غير أن هذا المنطق يصطدم بتناقض جوهري: الوزراء أنفسهم هم الآمرون بالصرف والمشرفون على المؤسسات الخاضعة للتقرير.

فكيف يمكن لمن يُحاسَب أن يكون هو نفسه من يُصدر العقوبة؟

 

الجواب القانوني والمالي واضح: لا يمكن.

فآلية الرقابة الذاتية، إن لم تُؤطَّر بسلطة مستقلة، ستؤدي إلى ما يخشاه المواطنون: عدالة إدارية انتقائية، يُقدَّم فيها صغار الموظفين كأكباش فداء لإخفاء المسؤولين الحقيقيين.

 

من جانبه، حاول الناطق باسم الحكومة إعادة النقاش إلى طابعه المؤسسي، مؤكداً أن «الأخطاء الجسيمة من اختصاص القضاء، بينما تعالج المخالفات الإدارية داخل الوزارات».

لكن هذا الفصل «المهني» يخفي في جوهره الخوف السياسي من عدوى الفضيحة، لأن الإقرار العلني بوجود اختلاسات يفتح باب «صندوق باندورا» الذي يضم شبكات النفوذ والتواطؤ المتشابكة داخل الإدارة العمومية.

 

وبمحاولة احتواء الأزمة، غاب عن الحكومة ما هو أهم: أن الرأي العام تغيّر.

فهو اليوم لا يطالب فقط بالإصلاحات، بل بالأسماء والعقوبات والنتائج. يريد أن يرى العدالة تتحرك، لا أن يسمع المؤسسات تتحدث.

 

للمرة الأولى، تفاعل الرأي العام الموريتاني بعقلانية لا باستسلام.

فقد أدرك المواطنون أن الفساد ليس مجرد قضية أخلاقية، بل عقبة تنموية كبرى، وأن كل خطأ في التسيير أو ضعف في الرقابة يترجم مباشرة إلى مدارس متداعية وطرق رديئة.

 

إن تقرير محكمة الحسابات بمثابة مرآة:

يرى فيه رئيس المحكمة أداة شفافية، ويراه الوزير الأول وسيلة إصلاح، بينما تعتبره المعارضة دليلاً على خيانة الثقة.

وبين هذه القراءات الثلاث، يُرسم المصير الأخلاقي للدولة: هل تتحول الفضيحة إلى يقظة جماعية؟

 

الحقيقة في موريتانيا لم تعد تحتاج إلى من يكتشفها، بل إلى من يتحمّلها.

وهذا هو الاختبار الحقيقي: هل تملك الدولة الشجاعة لتحاكم نفسها — لا بالكلمات، بل بالأفعال.

 

محمد ولد الشريف الشريف

جمعة, 17/10/2025 - 14:40