طريق النعمة–باسكنو–فصالة: من أخطاء التسيير إلى انهيار منظومة الرقابة

رئيس محكمة الحسابات كان محقًا في التذكير بأن أغلب المخالفات الواردة في التقرير الأخير تُصنَّف ضمن “أخطاء في التسيير” لا “اختلاسات”، غير أن وراء هذه الحيطة المؤسسية، تظهر بعض الملفات – وخصوصًا ملف طريق النعمة–باسكنو–فصالة – باختلالاتٍ هيكلية تتجاوز بكثير مجرد سوء إدارة إدارية.

 

هذا المشروع، الذي يبلغ طوله 263,8 كلم وتُقدّر كلفته بـ 32 مليون يورو، ممول من الصناديق العربية المشتركة مع مساهمة وطنية قدرها 696 مليون أوقية جديدة، تحوّل إلى نموذج دراسي في سوء التسيير: ملاحق متكررة، تأخيرات مضاعفة، رقابة فنية شكلية من مكتب تونسي اكتفى في أغلب الأحيان بالمصادقة الصورية بدل المراقبة الفعلية. وتتجلى الإخلالات بوضوح: غياب التشجير (200 شجرة في الكيلومتر لم تُنجز)، تثبيت الكثبان الرملية على مساحة 15 هكتارًا لم يُنفَّذ، المنتزهات والأسوار لم تُسلَّم، والآبار حفرت لكنها غير صالحة للاستعمال.

 

مثل هذه النواقص لا يمكن تصنيفها كـ«أخطاء تسيير» بسيطة؛ بل تعبّر عن انهيار منظومة الرقابة وتشتّت المسؤوليات بين الوزارة والمكتب الفني والمؤسسات المنفذة. فـ الضريبة الدنيا الإجمالية البالغة 10,9 ملايين أوقية جديدة لم تُقتطع، وغرامات التأخير لم تُطبَّق، وضمان العشر سنوات غائب، وكل ذلك يدل على ضعفٍ هيكلي في سلسلة المساءلة.

 

يسجّل التقرير أن التأخير الإجمالي في الأشغال بلغ 761 يومًا (في الجزء الأول). أما المبررات المقدّمة — كالعوائق الهيدرولوجية والمفاجآت الطوبوغرافية وغياب خرائط الشبكات — فهي لا تصمد أمام قراءة المادة 6 من دفتر الشروط الخاصة، التي تنص على أن المقاول يُعتبر على علمٍ تام بظروف الموقع. وبالتالي فالأمر لا يتعلق بعدم اليقين التقني، بل بـ ثغرات تعاقدية تمّ التستر عليها بتساهل إداري.

 

في رسالته، سعى رئيس المحكمة إلى الحفاظ على صرامة الرقابة بعيدًا عن التوظيف السياسي، لكن هذا التقرير، رغم لغته المتحفظة، يكشف عن خللٍ أعمق: فقدان الترابط بين التخطيط والتنفيذ والمراقبة، وتحوّل التساهل إلى قاعدة في المشاريع الكبرى الممولة من الخارج.

 

بكلمة أخرى، المشكلة لم تعد محاسبية فحسب، بل نظامية. أصبحت الملاحق وسيلة تمويل موازية، والمراقبة مجرد إجراء شكلي، والخطأ ممارسة ضمنية. لذا، وإن كانت المحكمة على حق في الدعوة إلى الإصلاح بدل الانتقام، فإن هذا الملف بالذات يتطلب أن تتجاوز أخلاقيات الرقابة مجرد التصحيح الإداري، لتصبح عملاً من أعمال السيادة.

 

محمد ولد الشريف الشريف 

ثلاثاء, 14/10/2025 - 12:57