
في سابقة هي الأولى من نوعها، تناول تقرير محكمة الحسابات الأخير أحد القطاعات الحساسة التي طالها الفساد وسوء التسيير منذ سنوات، وهو قطاع التعدين، وبوجه خاص أنشطة الشركات الأجنبية تازيازت موريتانيا المحدودة (TML.SA) وشركة مناجم النحاس الموريتانية (MCM.SA).
ويشير التقرير إلى أن هذه الشركات مارست تجاوزاتٍ خطيرة تمسّ الثروة الوطنية والبيئة على حدّ سواء، وصلت إلى مستوى ما يمكن وصفه بـ الجرم البيئي، وهو أخطر من الفساد المالي، لأن أضراره تمتد لعقود وتتحملها أجيالٌ لاحقة من المواطنين.
كما سجّل التقرير إهمالاً وتقصيراً واضحين من قبل مديرية المعادن، التي تركت لهذه الشركات حرية التصرف دون رقابة فعالة، مكتفية بتبادل المسؤوليات مع قطاع البيئة الذي “إذا حضر لا يُستشار، وإذا غاب لا يُنتظر”.
وأمام هذه الوضعية الخطيرة، دعا التقرير إلى محاسبة جميع الجهات التي تساهلت أو تواطأت مع هذه الشركات في تجاوزاتها البيئية التي أصبحت تُثقل كاهل النظام الصحي الوطني بأمراضٍ لم تكن معروفة من قبل.
الملاحظات الرئيسية الواردة في التقرير
1. غياب خطة لإدارة النفايات لدى الشركات المشغِّلة
لاحظت المحكمة أن شركتي تازيازت موريتانيا المحدودة ومناجم النحاس الموريتانية تحتفظان بكميات ضخمة من النفايات الصلبة والسائلة المتراكمة منذ سنوات دون معالجة أو التخلص الآمن منها.
وشملت هذه النفايات:
-مواد ملوثة بالهيدروكربونات والمواد الكيميائية السامة (مثل السيانيد).
-تربة ملوثة بالمحروقات.
-نفايات إلكترونية وبطاريات مستعملة.
-زيوت محركات وشحوم ومصابيح تالفة.
كما تبيّن أن خطط “إدارة النفايات” التي قدمتها الشركات شكلية وغير موقّعة ولا تحتوي على مؤشرات تنفيذ واضحة، مما يؤكد صحة ملاحظات المحكمة.
2. غياب العقوبات الرادعة على الحوادث البيئية
منذ عام 2009، شهدت مواقع تازيازت موريتانيا عدداً من الحوادث البيئية الجسيمة، تسببت في تسرب مواد ملوثة للمياه الجوفية والتربة، دون أن تتخذ السلطات أي إجراءات ردعية حقيقية.
فرغم وجود توصيات رسمية بتغريم الشركة 67.6 مليون أوقية قديمة، إلا أن هذه العقوبات لم تُنفذ.
وتؤكد المحكمة أن وزارة البترول والمعادن والطاقة تملك صلاحيات قانونية واسعة (بموجب المواد 62، 63، 131 من مدونة المعادن) تمكنها من توقيف النشاط وتوقيع الغرامات، لكنها لم تمارس هذه الصلاحيات بفعالية، مما عكس مستوى مقلقاً من التساهل الإداري.
3. غموض حول مصير شوائب الفضة المختلطة بالذهب
تُقدّر نسبة معدن الفضة المختلط بسبائك الذهب بما بين 3% و12% من الكميات المصدرة، غير أن اتفاقيات التعدين (الموقعة في 2004 و2021) لم تُحدد مصير هذه الشوائب ولا نصيب الدولة منها.
واعتبرت المحكمة هذا الأمر ثغرة قانونية ومالية خطيرة، تستوجب تصحيحاً فورياً يضمن حقوق الدولة في كامل العائدات المعدنية.
4. عدم الالتزام بمخطط “مرتنة الوظائف”
رغم البروتوكول الموقع سنة 2016 بين الوزارة وشركة تازيازت لتقليص عدد العمال الأجانب إلى 23 شخصاً كحدّ أقصى بعد سنة 2020، ما يزال عددهم يتجاوز 60 عاملاً أجنبياً حتى منتصف 2023.
كما لم تحقق اللجنة المشتركة المكلفة بمتابعة “المرتنة” أي تقدم ملموس.
وتؤكد المحكمة أن هذا الوضع يمثل خرقاً صريحاً للاتفاقيات وتهاوناً في تطبيق السياسات الوطنية لتشغيل الكفاءات الموريتانية.
5. ضعف الرقابة المؤسسية على المشغلين
سجلت المحكمة نقصاً حاداً في الوسائل الفنية والبشرية لدى إدارة رقابة ومتابعة المشغلين، مما يحد من قدرتها على أداء مهامها باستقلالية وكفاءة.
ويتجلى ذلك في:
-غياب مختبر وطني لتحليل المعادن وتحديد نسب الشوائب (كالفضة).
-تعطل جسر الميزان المخصص لقياس الصادرات المعدنية.
-ضعف الوسائل اللوجستية (النقل، الإيواء، التعويضات).
-اعتماد فرق التفتيش في بعض الأحيان على دعم الشركات نفسها (في الإقامة أو النقل أو المعدات)، مما يفقدها الحياد والاستقلالية.
وتؤكد المحكمة أن غياب مختبر وطني يجعل الدولة تعتمد على تحاليل الشركات نفسها، وهو ما يُضعف دقة تقييم العائدات المستحقة لها.
الخلاصة
خلص تقرير محكمة الحسابات إلى أن قطاع المعادن في موريتانيا يُعاني من خللٍ بنيوي في الرقابة والتسيير، سمح للشركات الأجنبية بالتصرف في الثروات الوطنية دون التزام فعلي بالمعايير البيئية أو التعاقدية.
ودعت المحكمة إلى:
-تحمل وزارة البترول والمعادن والبيئة لمسؤولياتها الكاملة في فرض القوانين وتوقيع العقوبات.
-مراجعة الاتفاقيات الموقعة مع الشركات لضمان الشفافية واسترجاع حقوق الدولة.
-إنشاء آليات رقابة مستقلة ومختبر وطني للمعادن.
-محاسبة المتورطين في التقصير الإداري أو التواطؤ المؤسسي الذي سمح بارتكاب مخالفات بيئية خطيرة.



.jpeg)

.jpeg)