
كشفت محكمة الحسابات في تقريرها الأخير عن صورة قاتمة للوضع الداخلي في شركة موريتانيا إيرلاينز، التي وُلدت عام 2009 لتكون “أداة سيادية” للنقل الجوي الوطني، وضمانًا للربط بين التراب الوطني والعالم الخارجي.
لكن الواقع، كما تصفه المحكمة، يختلف تمامًا: شركة تستنزف التمويل العمومي دون معالجة اختلالاتها البنيوية، وتعيش على قرارات مرتجلة ومحاسبة غير منضبطة، فيما تتآكل فكرة السيادة نفسها… على الأرض قبل السماء.
رأسمال ضخم… دون إصلاح في التسيير
في يونيو 2022، حصلت الشركة على زيادة في رأس المال بنسبة 227%، أي ما يعادل 4.768 مليار أوقية جديدة، رفعت رأسمالها الإجمالي إلى 6.867 مليار أوقية.
وبهذه العملية، عززت الدولة سيطرتها في رأس المال لترتفع حصتها من 51.6% إلى 75.2%، بينما تراجعت نسب المساهمين الآخرين مثل اسنيم وميناء نواكشوط وميناء نواذيبو.
وكان الهدف المعلن هو إعادة تأهيل الشركة وتثبيت سيادتها الجوية، لكن المحكمة تؤكد أن هذه الأموال لم تُترجم إلى تحوّل إداري أو تقني حقيقي.
فما تزال الشركة تدار مركزياً عبر مدير عام محاط بعشر إدارات وأقسام، وتضم أسطولاً متنوعاً من ست طائرات (بوينغ وإمبراير)، واستراتيجية جوية طموحة تفوق قدراتها المالية واللوجستية.
خلاصة المحكمة: تم ضخ المال دون إصلاح، وزيادة رأس مال دون تغيير الاتجاه.
فوضى في الحسابات ومخالفات مالية مزمنة
التقرير سجل استمرار ودائع وضمانات غير مسوّاة منذ 2011–2012 بقيمة تقارب 26 مليون أوقية جديدة، منها ودائع لدى شركتي أويليبيا (OLA Energy) وAVATRAVE، دون أي تبرير محاسبي واضح.
كما لاحظ غياب جرد فعلي للمخزون واحتساب الأصول بأسعار قديمة (من 2015 و2017)، واعتماد أسلوب استهلاك موحد لكل أجزاء الطائرات لمدة 20 عامًا، وهو إجراء غير معمول به في قطاع الطيران حيث يتم الاستهلاك حسب المكوّن والدورات الزمنية.
النتيجة – بحسب المحكمة – أن البيانات المالية للشركة لا تعكس الواقع وتمنح صورة مغلوطة عن قيمة الأصول وكلفة الصيانة.
كذلك سجّلت المحكمة تفاوتات خطيرة في تقييم الديون بالعملة الأجنبية، ووجود حسابات افتتاحية لا تتطابق مع الحسابات الختامية، بل وحتى صناديق نقدية ذات أرصدة دائنة، ما اعتبرته “مؤشراً على خلل هيكلي في نظام المعلومات المالية”.
توظيف دون منافسة… ومخالفات ضريبية جسيمة
وفي الجانب الإداري، وثّقت المحكمة توظيف 40 شخصاً دون إعلان أو منافسة، بينهم مسؤولون وفنيون ومهندسون، مع منحهم امتيازات غير قانونية تعادل 14 شهراً من الراتب سنوياً.
كما دفعت الشركة فواتير بلا أرقام تعريف ضريبي (NIF)، وتخلّفت عن تسديد ضرائب تتجاوز 270 مليون أوقية جديدة تشمل ضريبة الشركات (IS) وضريبة الدخل (ITS) وضريبة مقدّمي الخدمات (IMF).
وبحسب المحكمة، فإنّ هذه السلوكيات “تتنافى مع كون الشركة عمومية يفترض أن تكون نموذجاً للالتزام بالقانون”.
أموال مجمّدة وخسائر تشغيلية ضخمة
من أخطر ما كشفه التقرير وجود رصيد بنكي عالق في بنك GTBank بسيراليون منذ عام 2019 بقيمة 7.9 ملايين أوقية جديدة، دون أي حركة أو استجابة لطلبات التحويل.
كما أحصت المحكمة أكثر من 140 مورداً للشركة ينتظرون تسوية مستحقاتهم البالغة 161 مليون أوقية جديدة منذ نحو عقد، إضافة إلى ديون عملاء تفوق 50 مليون أوقية جديدة لم تُحصّل بعد، وسلف مالية راكدة منذ سنوات.
هذه المبالغ المجمّدة — تقول المحكمة — تخنق السيولة وتشلّ العمليات اليومية، وتجعل الشركة أكثر هشاشة أمام أي طارئ تشغيلي.
أسطول مشلول وتأجير مكلف
على الصعيد التقني، كان جزء كبير من الأسطول خارج الخدمة بين يناير 2021 ويونيو 2023، من بينها طائرة بوينغ 737-700 منذ مايو 2021، وبوينغ 737 ماكس منذ مارس 2022، وإمبراير ERJ145 منذ يوليو 2022.
ولتأمين الرحلات، اضطرت الشركة إلى استئجار طائرات بكلفة بلغت 43.9 مليون أوقية جديدة سنة 2021 و55.5 مليوناً سنة 2022، إضافة إلى 7.7 ملايين لتغطية إقامة الطواقم.
كما ارتفعت نسبة التأخيرات والإلغاءات بشكل حاد (226 رحلة متأخرة في سبتمبر 2022 وحده).
ويعزو التقرير هذه الفوضى إلى سوء تخطيط الأسطول وشراء طائرات من طرازات مختلفة دون دراسة، ما ضاعف تكاليف الصيانة والتدريب والتموين.
شبكة طيران طموحة… تفوق الإمكانيات
تسعى “موريتانيا إيرلاينز” للربط بين شمال القارة وجنوبها — من تونس وباريس إلى برازافيل — لكنّ اتساع الشبكة في غياب استقرار مالي وتشغيلي جعلها عالقة في دائرة مفرغة:
تعطل طائرة → إلغاء رحلة → استئجار عاجل → ديون جديدة → صيانة أقل → مزيد من الأعطال.
توصيات المحكمة: من “المال العام” إلى “الحوكمة الفعلية”
دعت محكمة الحسابات إلى إصلاح شامل خلال 120 يوماً يشمل:
-جرد فعلي وتقييم المخزون بواسطة مكتب متخصص؛
- تسوية الودائع القديمة وتكوين مخصصات للديون المشكوك فيها؛
-ضبط الفوترة وتحيين النظام المعلوماتي؛
-مراجعة العقود والضرائب والالتزامات الاجتماعية؛
- توحيد الأسطول وتركيز الشبكة على 4 إلى 6 وجهات محورية؛
- إنشاء لجنة تدقيق مستقلة ونشر مؤشرات أداء فصلية للشفافية والمساءلة.
السيادة لا تُشترى برأس المال بل تُبنى بالانضباط
تؤكد المحكمة أن إنقاذ “موريتانيا إيرلاينز” ممكن، لكن بشرط أن تتحول السيادة من شعار إلى ممارسة:
حسابات دقيقة، أسطول موحد، نظام شفاف، وإدارة تخضع للمساءلة.
أما الاستمرار في ضخ المال العمومي دون إصلاح حقيقي، فليس سوى تمويلٍ للوهم لا للنهوض.



.jpeg)

.jpeg)