
تقف موريتانيا اليوم عند مفترق طرق استراتيجي يجعلها في قلب ديناميكيات الهجرة الإقليمية. فموقعها الجغرافي الفريد، بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، إضافة إلى الفرص الاقتصادية التي توفرها، جعل منها بلد عبور ووجهة في آن واحد لآلاف المهاجرين. مدن مثل نواكشوط، نواذيبو، روصو، سيلبابي والشامي تشهد تدفقًا متزايدًا للمهاجرين، بعضهم يستقر مؤقتًا قبل متابعة رحلته نحو أوروبا.
ضغط متزايد وتحديات إنسانية
وثّقت المنظمة الدولية للهجرة (OIM) تصاعد الضغط على موريتانيا خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت طريق الأطلسي إلى مسرح لمآسٍ إنسانية متكررة. فقد شهدت السواحل الموريتانية في الأشهر الماضية غرق قوارب محملة بالمهاجرين، كان آخرها حادث مأساوي انقلب فيه قارب قادم من غامبيا ولم ينجُ منه سوى 17 شخصًا من أصل أكثر من مئة. ومنذ بداية العام الجاري، أنقذ الدرك الوطني 53 مهاجرًا غير نظامي، بينما تمكن خفر السواحل من إنقاذ 1385 آخرين.
وفي هذا السياق، صرّح الدكتور محمد سالم ولد مرزوك، وزير الشؤون الخارجية، خلال زيارته إلى مالي في أبريل 2025:
“في عام 2024، تم انتشال أكثر من 500 جثة لشباب أفارقة على سواحلنا، وأكثر من 100 منذ بداية هذا العام. إنها مأساة إنسانية علينا أن نواجهها معًا”.
تعزيز الإطار القانوني لحماية المهاجرين
لم تقتصر استجابة موريتانيا على الجانب الإنساني فحسب، بل طورت أيضًا منظومتها القانونية. فقد مثل القانون رقم 2020-018 المعدل للقانون 2010-021 خطوة متقدمة في مكافحة تهريب المهاجرين، إذ شدد على:
- التطبيق دون تمييز وفقًا للمعايير الدولية.
- اعتبار ضحايا التهريب ضحايا لا مجرمين ومنحهم الحصانة الجنائية.
- تشديد العقوبات على شبكات التهريب، خاصة عند تعريض حياة المهاجرين للخطر.
- حماية خاصة للأطفال والفئات الهشة.
كما وضع القرار المشترك رقم 00591/2025 إجراءات تشغيلية معيارية في مجال الترحيل، تضمنت تقييمًا فرديًا لكل حالة، وتحديد مدة الاحتجاز الإداري بـ 72 ساعة فقط، إلى جانب التنسيق مع السلطات القنصلية والمحلية لبلدان الأصل لضمان عودة آمنة.
توازن بين البعد الإنساني والأمني
إدارة ملف الهجرة في موريتانيا ترتبط أيضًا بالأمن الوطني. ففي منطقة تعاني من عدم الاستقرار، استثمرت السلطات في تعزيز قدرات قوات الأمن لصد الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والتي تجد في الهجرة غير النظامية بيئة خصبة للانتشار.
وهكذا، تتبنى موريتانيا مقاربة مزدوجة إنسانية وأمنية، تحاول من خلالها تحقيق توازن صعب بين حماية المهاجرين وضمان استقرارها الداخلي. فرغم ضخامة التحديات، تبقى الاستراتيجية الموريتانية مثالًا على سعي الدول الواقعة على خطوط الهجرة إلى التوفيق بين الالتزامات الدولية، مقتضيات الأمن، واعتبارات السيادة الوطنية



.jpeg)

.jpeg)