التعديل الوزاري بين الشكل والجوهر

لا يمكن النظر إلى التعديلات الوزارية في موريتانيا كإجراءات إدارية محضة أو مجرد عملية لإدخال دماء جديدة في الجهاز التنفيذي. فهي أقرب إلى ترتيبات دقيقة على رقعة شطرنج سياسية، حيث يجد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نفسه في موقع اللاعب المحاصر الذي يوازن بين ضغوط الداخل وخيارات السلطة، أكثر مما يمارس سلطة مطلقة في اختيار رجاله.

 

كل حقيبة وزارية تُدار وفق شبكة معقدة من الحسابات: الانتماء القبلي والجهوي، التوازنات الشرائحية، موازين القوى بين أجنحة النظام، بل وحتى الحسابات المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة. فالمنصب الوزاري هنا ليس انعكاساً للكفاءة بقدر ما هو أداة لإرضاء الفاعلين الكبار وامتصاص التوترات داخل المشهد السياسي.

 

شائعات تحرك الواقع

 

الجدل حول التعديل الأخير لم يكن وليد ساعته، فقد سبقته موجة تسريبات ربطت أسماء وزراء بارزين – في الخارجية والداخلية والديوان وحتى الوزير الأول – بسباق الرئاسة المقبل. ورغم نفي أصحابها، فإن مجرد تداول الفكرة كان كافياً لتسريع وتيرة التغيير، في محاولة من النظام لإغلاق الباب أمام احتمالات التمرد السياسي قبل أن تتحول الشائعة إلى واقع.

 

رسائل سياسية بامتياز

 

التعديل الأخير حمل إشارات واضحة إلى أنه سياسي قبل أن يكون إدارياً. توزيع الحقائب جسّد عملية توازن دقيقة:

 

- تمثيل لحراطين: دخول أسماء جديدة وخروج أخرى من هذه الشريحة يقرأ في سياق تنافس النظام مع بيرام ولد الداه اعبيد على خطاب “المهمشين”.

- ترضيات سياسية: تعيين مريم بيجل جاء كتسوية مع والدها بيجل ولد هميد بعد تصعيده بملف ترشيح وزير الخارجية، في إشارة إلى أن أبواب الحكومة يمكن أن تُفتح عبر القنوات التقليدية للزعامات.

 

بيت داخلي هشّ

 

الغزواني يحاول أن يمسك العصا من الوسط:

- الوزير الأول ولد اجاي: جرأة في المبادرة، لكن خصومه لا يسمحون له بتمدد كامل.

- وزير الداخلية ولد محمد الأمين: يحظى بثقة الرئيس لكنه يفتقر للوزن السياسي، أقرب إلى “مدير إداري” منه إلى صانع قرار.

 

الرئيس نفسه يبدو فى مفارقة: يحكم لكنه محكوم بميزان القوى الذي يفرض أن تمر أي لائحة وزارية عبر حسابات القبيلة والشرائح قبل معيار الكفاءة.

 

ما وراء البيان الرسمي

 

البيان الرئاسي وصف التعديل بأنه “جزئي”، لكن الواقع يكشف عن إعادة ضبط داخلية أكثر منه مجرد تغيير أسماء.

 

- وزارة العدل أسندت إلى محمد ولد اسويدات، شخصية شابة طموحة ذات امتداد جهوي واضح في لبراكنه.

- وزارة الشؤون الإسلامية دخلت في سياق محاصصة، بينما تعيين الناها بنت مكناس ومريم بيجل يشي بأن الترضية السياسية والرمزية العائلية لا تزال محددة أساسية.

 

الخلاصة: شطرنج مفتوح النهايات

 

التعديل الأخير ليس إلا حلقة في مسار أوسع يتجه نحو الانتخابات الرئاسية والحوار الوطني وما قد يرافقهما من تعديلات دستورية. وفي هذا المسار، يظل الغزواني لاعباً حذراً على رقعة لا تنتهي جولاتها:

 

  • يتقدم خطوة لإرضاء حلفاء.
  • يتراجع نصف خطوة لتفادي خصوم.

 

 

لكن المعادلة الثابتة تبقى أن التوازنات أهم من البرامج، والولاءات أسبق من الكفاءات، وأن أي تعديل وزاري في موريتانيا يظل في جوهره انعكاساً لهذا القانون غير المكتوب.

اثنين, 22/09/2025 - 12:55