
في البداية، كان الحراطين، وفقًا للنظام الاجتماعي القائم في المجتمع البيظاني قبل الاستعمار، يشكلون رتبة اجتماعية فرعية متميزة عن طبقة العبيد. وقد أكدت كتابات الإدارة الاستعمارية وروايات المستكشفين الفرنسيين، من رينيه كاييه إلى كزافيي كبولاني، ذلك بوضوح.
فبعض الحراطين كانوا قد استعادوا حريتهم منذ دخول الإسلام إلى صحراء الملثمين قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.
وخلال الحقبة الاستعمارية، كان الفرنسيون، شأنهم شأن البيظان، يميزون بشكل واضح بين “الحرطاني” و”العبد”. وقد استمر وجود هاتين الطبقتين الفرعيتين بعد استقلال البلاد، رغم صدور أول دستور عام 1961، الذي نص في ديباجته بشكل صريح على أن جميع الموريتانيين متساوون أمام القانون.
إن تسمية “الحراطين”، التي تشمل الرجال الأحرار السابقين الذين تحرروا من نير العبودية، رغم الفارق الكبير بين من نالوا حريتهم منذ قرون ومن استعادوها قبل بضعة عقود فقط، هي تسمية حديثة نسبيًا تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين أراد بعض قادة ومناضلي حركة “الحر” أن يمنحوا لنضالهم الاجتماعي بعدًا سياسيًا.
أما الهوية الثقافية للحراطين، فهي ذاتها هوية باقي مكونات المجتمع البيظاني، الذين يتحدثون جميعًا الحسانية (العربية) وينحدرون من أصول متنوّعة.
لا اللون، ولا المظالم التي تعرضوا لها، ولا الأصول – الحقيقية أو المفترضة – تجعل من الحراطين مكوّنًا بيظانيًا مستقلاً ذا وضع خاص. بل هم بالأحرى رتبة اجتماعية فرعية ضمن الإثنية البيظانية، شأنهم شأن بقية الرتب الفرعية الأخرى داخل هذه الجماعة. وحقيقة أنهم يقبلون طوعًا الاندماج في قبائلهم والانتماء إليها، بل وتولي الزعامة أحيانًا، يؤكد ما سبق ذكره.
إن إعطاء الحراطين وضعًا سياسيًا جديدًا في المشهد الوطني الموريتاني، استنادًا إلى مظالم الماضي أو لون البشرة أو أصول يُراد تصويرها على أنها حصريًا إفريقية-سوداء، يُعتبر في نظرنا خطأً فادحًا، وطريقة لإحداث شرخ سياسي-اجتماعي داخل الإثنية البيظانية، بحيث تنقسم إلى مجموعتين: “البيظان السود”، أي الحراطين، و”البيظان البيض”، أي البقية.
ترجمة أقلام



.jpeg)

.jpeg)