جزيرة الخطيئة.. ابتزاز رخيص وخطير لنخبة صناع القرار في العالم

تشهد الاوساط السياسية والاعلامية ووسائط التواصل الاجتماعي وشريحة واسعة من الشعب الامريكي وخصوصاً اليمين السياسي قاعدة الرئيس ترامب الانتخابية حالة من الغليان والغضب والرعبعلى اثر انفجار قضية خطيرة جداً الى حد كبير ويكتفها الكثير من الغموض.

قضية رجل الاعمال جفري ابستين باتت تهدد نخبة من ألمع نجوم المجتمع الامريكي والعالم وتشكل كابوساً مرعباً لرجال السياسة والاعمال لدرجة انه عندما وجه احد الصحفيين سؤالاً حول هذه القضية للنائبة العامة الامريكية (وزيرة العدل) بام بوندي اشاح لها الرئيس ترامب بيده ليتولى هو شخصياً الاجابة على السؤال قائلاً بأن هذا الموضوع قديم, وهذا الرجل (يقصد ابستين) توفي منذ سنوات وأغلق الملف وانتهى الامر وتساءل هل هناك من يزال يتحدث عن هذا الشخص...؟؟؟.

الملفت جداً ان قضية ابستين انفجرت بهذا الزخم بعد ساعات منمغادرة بنيامين نتنياهو البيت الابيض بعد محادثات له مع الرئيس ترامب متجهماً بدون ان يدلي بأي تصريحات على غير عادته, وفي هذا السياق ذكرت صحيفة يدعوت احرونوت الصهيونية في تقرير لها في الثامن من يوليو الجاري ان ترامب "مارس ضغطاً شديداً" على نتنياهو لتليين موقفه من قضايا شرق اوسطية ابرزها عدوانه على اهل غزة, وهذا ما اكدته ايضاً شبكة سكاي نيوز البريطانية في تقرير نشرته اليوم نفسه.

الذي اثار غضب الاوساط الامريكية اثر هذا التطور الخطير ان هناك شخصيات مؤثرة محسوبة على التيار اليميني المحافظ الذي يمثل قاعدة ترامب الانتخابية اشارت الى ان هناك علاقات تربط ابستين بالموساد الصهيوني, والمقلق لهذا التيار اذا ما ثبت صحة هذه العلاقات وما سيكون لذلك من تاثير مزلزل على موقف هذا التيار من الكيان الصهيوني, والاشد قلقاً من صحة هذه العلاقات هو الكيان الصهيوني نفسه اذ سيكون حينها في حكم المؤكد انقاعدة تأييده الاهم في الساحة الامريكية ستكون معرضة للاهتزاز وبقوة, بل ربما يتمدد هذا الزلزال ليطال الجسم الاكبر الذي يشكل اكبر لوبي لدعم الكيان. 

تجدر الاشارة الى ان جفري ابستين هو رجل اعمال امريكي يهودي تربطه علاقات قوية بالكثير من كبار الشخصيات حول العالم من بينهم رجال مال واعمال وقادة سياسيين (رؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء وامراء) ومشاهير, امريكيين واوربيين وحتى عربوغيرهم, ولكن من ابرز من ارتبطوا به غيزلين ماكسويل ابنة قطب الصحافة العالمي روبرت ماكسويل الذي كان معروفاً بارتباطه الوثيق بجهاز الاستخبارات الخارجية الصهيوني "الموساد" والذي وجد مقتولاً على ظهر يخته في مياه بحر جزر الكناري مطلع التسعيناتوحينها تم توجيه اصابع الاتهام الى الموساد في جريمة اغتيالهعلى الرغم انه كان من أهم واكبر عملاء هذا الجهاز, وذلك بعدما طالب ببعض الامور التي تم رفضها فغضب من الجهاز وتمرد عليهم فكان القرار بالتخلص منه كما تردد حينها في وسائل الاعلام.

وهذه المقاربة تعزز الاعتقاد بان ملف ابستين لم يثار صدفة بعد الاجتماع المشار اليه بين ترامب ونتنياهو مباشرة وبهذه الحدة, انما يهدف هذا الزلزال الاعلامي والسياسي والاخلاقي والقضائي هو ممارسة ضغط مضاد على ترامب التي تشير التسريبات ان اسمه ضمن القائمة التي يشملها هذا الملف الفضائحي بغرض ابتزازهلثنيه عن الضغط على نتنياهو.

هذا التصعيد المفاجئ والخطير في مسرحية ابستين اثار مخاوف النخب السياسية والاعلامية والاقتصادية الامريكية والتخوف أنيكون ترامب واقعاً بالفعل تحت ضغط أوابتزاز اجهزة استخبارات صهيونية تمتلك له ملفات (فيديوهات) حساسة, وهذا ما أشار اليهالعديد من قادة الرأي في المجتمع الامريكي من بينهم ساسة ومشرعين واكاديميين ورجال اعمال واقتصاديين وإعلاميين بارزين، من أبرزهم اغنى رجل في العالم والذي لعب دوراً حاسماً في ايصال ترامب الى البيت الابيض قبيل عدة أشهر ألون ماسك, والبروفيسور جيفري ساكس المحلل الاقتصادي والسياسي والاستاذ في جامعة كولومبيا في نيويورك ومدير مركز التنمية المستدامة في نفس الجامعة ورئيس شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة, والاعلامي الشهير تاكر كارلسون وعضوة الكونجرس مارجوري تيلور غرين, ورجل الدين الاعلامي الامريكي المعروف ريك ويلز وكذلك الاعلامي البريطاني ذائع الصيت بيرس مورغان وغيرهم وغيرهم.

القصة بدأت عندما اشترى جفري ابستين جزيرتين من  جزر العذراء التابعة للولايات المتحدة الواقعة في البحر الكاريبي, الكبرى مساحتها حوالي 160 فدان, اسمها غريت سانت جيمس (جزيرة سانت جيمس الكبرى), اشتراها عام 2016 بحوالي 20 مليون دولار, اما الصغري اسمها ليتل سانت جيمس (جزيرة سانت جيمس الصغرى) والتي تم تغيير اسمها الى جزيرة ابستين بعدما اشتراها الأخير عام 1998 فتبلغ مساحتها حوالي 75 فدان, وعلى هذه الجزيرة قام ابستين بانشاء قصر فاخر بالاضافة الى أربع فيلات للضيوف، ومهبطاً  للطائرات العمودية ورصيفاً خاصاً للسفن ومسبحين وصالة العاب رياضية وثلاثة شواطئ خاصة, وهذه الجزيرة المنعزلة وسط الكاريبي هي التي شهدت الاحداث الآثمة والمقززة التي تعصف تداعياتها بالولايات المتحدة هذه الايام.

كان ابستين ينظم عليه حفلات خاصة وسهرات ماجنة على تلك الجزيرة التي سميت باسمه وكان يدعو اليها شخصيات هامة ونخب عالمية نافذة وصناع قرار ينقلهم اليها بطائراته الخاصة للاستمتاع وقضاء اوقات آثمة مع فتيات قاصرات بعضهن لم يتجاوزن احد عشر عاماً وفقاً لما صرح به مدعي عام الجزر العذراء العام 2020 وكان يقوم بتصوير هؤلاء المدعوين اثناء استمتاعهم بالقاصراتوفي اوضاع فاضحة لحساب جهاز الموساد, وفي حكم المؤكد ومن المنطقي ان يقوم الموساد بتوظيف هذه الفيديوهات للسيطرة على هذه  الشخصيات وابتزازهم وتوجيه قراراتهم.

وتجدر الاشارة الى ان خطورة القضية تكمن ليس فقط للابعاد الاخلاقية والسياسية والامنية التي تترتب على هذه الفضيحة وانما ايضاً للابعاد القانونية والقضائية والتي يمكن ان تتسبب في ملاحقة هؤلاء الشواذ بتهم اغتصاب أوالممارسة مع قاصرات وهذه تهم في منتهى الخطورة في القانون الامريكي قد تسبب بالزج بمن تثبت عليه في غياهب السجون مدى الحياة في بعض الولايات ولعدة عقود في ولايات اخرى.

يبدو ان التحالف الصهيوامريكي الخبيث الذي كان (وما يزال) مسلطاً على رقاب شعوب المنطقة لاخضاعها لنفوذه بالحديد والنار بات نفسه ملوثاً بالخوف والابتزاز، وهذا التطور الخطير (ملف ابستين) اذا لم يتمكن اللوبي الصهيوني من الالتفاف عليه وافراغه من محتواه, سيكون له ما بعده, لانه ببساطة يكشف تبعية القرار السياسي الامريكي على اعلى المستويات تحت طائلة التهديد والابتزاز, وما مدى تبعات هذا التطور على سياسات الامريكية وانعكاساتها عى المصالح القومية الامريكية العليا وما مدى الضرر الذي يلحقه التحيز الامريكي القسري لمصالح كيان اجنبي على حساب مصالح الشعب الامريكي ومدى تكلفة ذلك على دافع الضرائب الامريكي, وكذلك يكشف مدى الضرر الذي يترتب على توتر علاقات الولايات المتحدة بالعديد من المنظمات والهيئات الدوليةعندما قامت هذه بدورها وحملت الكيان الصهيوني مسؤولية ما يقوم به من جرائم في الاراضي الفلسطينية المحتلة وخصوصاً جرائم الابادة الجماعية والتطهير العرقي, لدرجة انها (الولايات المتحدة) قطعت علاقاتها ببعض هذه الهيئات وقامت بالتهديد والوعيد للقائمين على بعضها وفرضت عقوبات على البعض الاخر في محاولة مستميتة لثني هذه الهيئات الدولية عن اداء مهامها ودفعها للتراجع عن قراراتها بادانة قادة صهاينة كبار لدورهم في جرائم حرب وجرائم ابادة.

لي عنق السياسة الامريكية لتتماشى كرهاً مع ما تمليه مصلحة الجهة التي تقوم بإبتزاز الساسة وصناع القرار الامريكان وتملك التأثير عليهم, يعتبر تدخلاً سافراً في عملية صنع القرار الامريكي وهذا بالقطع من شأنه أن يهدد نفوذ ومكانة الدولة الاقوى عالمياً مما سيكون له بالتبعية اثراً مدمراً على دورها العالمي وخصوصاً رعاية منظومة المبادئ والقيم الدولية التي تحفظ الامن والسلم الدوليين والتي يقوم عليها النظام العالمي القائم والتي ترعاه واشنطن منذ عدة عقود ومن خلاله تسيطر على معظم دول العالم.

 

اخر الكلام:

لعل ما تحتويه ملفات ابستين هي التفسير الاكثر منطقاً الذي يكشف عن السر وراء انبطاح معظم صناع السياسات والقرارات في الولايات المتحدة وغيرها واتخاذهم لتلك القرارات اللامنطقة واللامعقولة المنحازة بشكل اعمى للكيان الصهيوني بالرغم انها تنتهك القانون الدولي وقرارات الهيئات والمنظمات الدولية وتخالف توجهات الرأي العام الداخلي وحتى الحلفاء حول العالم, بل تخالف كل المبادئ والقيم والمشاعر الانسانية والاخلاقية, وهذا ما قد يفسر الدعم الامريكي اللامتناهي والمطلق للكيان الصهيوني على كافة المستويات, عسكرياً وتكنولوجياً وسياسياً ودبلوماسياًواقتصادياً بلا حدود وبلا سقف.

وهذا ما يفسر ايضاً التطورات السياسية اللامنطقية التي شهدتها منطقة الشرق الاوسط خلال السنوات الماضية وخصوصاً ان هناك تقارير صحفية اشارت الى وجود بعض النخب الحاكمة في العالم العربي بين رواد جزيرة الخطيئة. 

تجدر الاشارة الى الصهاينة يمتهنون الاباحية ونشر الرذيلة لتقويض المجتمعات والسيطرة عليها وهذا احد اهم اسباب لفظهم والتنكيل بهم من قبل المجتمعات الاوروبية خلال القرون الماضية, بما في ذلك ما فعله بهم الالمان خلال الحرب العالمية الثانية, وها هم على ما يبدو يعودوا الى نفس ممارساتهم اللاخلاقية التي قاموا بها في اوروبا في النصف الاول من القرن الماضي ولكن هذه المرة في الولايات المتحدة, يبدو انهم لم يتعلموا من دروس التاريخ....!!!!

فهل سيعيد التاريخ نفسه...؟؟؟

د. سمير الددا

[email protected]

 

أحد, 20/07/2025 - 21:25