نفاد صبر موريتانيا على مالي : ماذا يغير؟

ثمة خلل عميق في الطريقة التي تتعامل بها النخبة الإعلامية في موريتانيا مع ما يجري في مالي. فالكثير من التصورات السائدة تُبنى على فرضيتين مضللتين: الأولى أن النظام المالي يعيش تخبطًا بلا بوصلة، والثانية أن موريتانيا هي مركز وأن مالي هامش. والحقيقة أن الفرضية الثانية ليست مجرد خطأ في التقدير، بل هي جنون، انقلاب كامل على منطق التاريخ والجغرافيا.

 

موريتانيا لم تكن يومًا، لا في الماضي ولا في الحاضر، مركز الثقل في فضاء الساحل الغربي، بل كانت في كل مراحلها غلافًا وممرًا إجباريًا نحو نقطة الارتكاز الحقيقية التي هي منطقة حوض النيجر، موطن الإمبراطوريات الكبرى ومحور اليابسة في غرب إفريقيا. هناك تشكلت دول متتابعة، إمبراطورية غانا، ومالي وإمبراطورية السونغاي، وهناك تركزت الكثافة البشرية والاقتصادية والرمزية. أما مدن الطريق الصحراوي مثل ولاتة وشنقيط، فلم تزدهر لأنها مراكز مستقلة بذاتها، بل لأنها كانت محطات عبور بين المتوسط والساحل، بين الملح والذهب، بين القوافل القادمة من الشمال والقوة التاريخية المستقرة جنوب الصحراء.

 

ولهذا لما انهارت الممالك الكبرى في مالي، ماتت معها تدريجيًا مدن الطريق التاريخية؛ وهذا وحده يكفي لفهم طبيعة العلاقة بين المجالين، الطريق لا يعيش دون الوجهة، والممر لا يزدهر حين تضعف نقطة الارتكاز التي تمنحه المعنى والحركة.

 

واليوم لم يتغير الجوهر كثيرًا. ما تزال موريتانيا تؤدي وظيفة “حافة المركز”، وما تزال تمثل المعبر الإلزامي نحو العمق الساحلي. وإذا كان بعض صناع القرار في نواكشوط لا يرون هذه الحقيقة، فإن فرنسا تراها جيدًا، وتتصرف وفق منطقها، وكذلك المغرب. فالتدافع الفرنسي المتكرر، والاهتمام المغربي المتزايد بالمجال الساحلي، ليسا نابعين من سحر جغرافي خاص بموريتانيا نفسها، بل من موقعها كغلاف خارجي لمساحة أكثر أهمية واستراتيجية هي مالي والساحل الداخلي.

 

التاريخ نفسه يجيب على كل من يستغرب هذا الكلام أو يقطب حاجبيه مستنكرًا، ألم يكن المجال الموريتاني جسرًا عبرت منه جيوش السعديين إلى غاو وتمبكتو حيث دمرت إمبراطورية السونغاي؟ ألم يكن كذلك معبرًا للرحالة ابن بطوطة في طريقه إلى بلاد السودان الغربي بعد شيوع أخبار حج منسى موسى ونثره الذهب في المشرق؟ ألم يكن معبرًا كذلك للمستكشف الفرنسي ريني كاييه (ول كيجه) في رحلته نحو تمبكتو؟ بل يمكن القول ببساطة إنه لولا مالي لما اخترقت هذه الرحلات بلادنا، ولولا ما يجري في مالي اليوم لما كانت القوى الاستعمارية أو الإقليمية تنظر إلينا من جديد بهذا القدر من الاهتمام والعناية.

 

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه دولة مثلنا مثقلة بالانقسامات والحساسيات هو أن تتصور نفسها رأسًا في مواجهة عمقها الجغرافي والتاريخي. فموريتانيا، بخمسة ملايين نسمة فقط وبنسيج اجتماعي هش، وبشحن عرقي ومظالم متراكمة، لا تستطيع أن تتعامل مع مالي بمنطق الاستعلاء أو التهديد بنفاد الصبر لأن مالي بـ 26 مليون نسمة وبامتداد الماندي عبر خليج غينيا، فهي ليست مجرد نظام سياسي عابر، بل فضاء تاريخيًا ضخمًا يتجاوز حدود الدولة الحديثة، فضاء بشري يمتد عبر المجال الديموغرافي لشعوب الماندي في غرب إفريقيا حتى خليج غينيا. إنها كتلة حضارية وليست مجرد سلطة في باماكو.

 

ولهذا فإن التفكير في التواطؤ مع الأوروبيين ضد مالي ليس من الحكمة في شيء، بل مجازفة وجودية. إنه شبيه بوهم بعض دول الخليج حين تتصرف وكأن بإمكانها إلغاء حقيقة إيران الجغرافية والديموغرافية والحضارية.

 

إن الحديث عن “نفاد صبر موريتانيا” تجاه مالي يبدو أحيانًا خارج سياق المنطق نفسه، لأن الدول لا تقاس بانفعالات اللحظة بل بوزنها داخل الخرائط العميقة. ومهما اشتدت الأزمات في مالي، فإن من الخطير على موريتانيا أن تتصرف وكأن انهيار مالي فرصة لها، لأن انهيار نقطة الارتكاز يعني بالضرورة تمزق الغلاف المحيط بها.

 

إن النظام الحالي في باماكو باق.. لأنه يعكس صورة مالي التاريخية.

 

إسماعيل محمد خيرات

سبت, 23/05/2026 - 22:11