السفير أحمد ولد الشيخ ولد جدو.. رجل الدولة والمجتمع

في 19يونيو الجاري غادر دنيانا الفانية رجل الدولة والدبلوماسي الماهر أحمد ولد الشيخ ولد جدو، أحد رجال  تأسيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وهو المثقف القدير والقامة الاجتماعية الوزانة، وهو قبل هذا كله الرجل المؤمن المتواضع و الزاهد في الدنيا وزخرفها.

ولد أحمد في حدود العام 1929 فى أبي تليميت ونشأ  وتربي في بيت عز وشهامة من بيوتات أبي تليميت، ودرس أول ما درس العلوم العربية الإسلامية كما يدرسها فتيان تلك المدينة الطيبة التي أسست على تقوى من الله من أول يوم.
ثم ولج المدرسة الفرنسية في أبي تليميت على غرار العديد من الأطفال الذي سيصبحون فيما بعد أوائل الموظفين وقادة جيل تأسيس الجمهورية.
تعرفت على المرحوم أحمد صيف 2006 وجمعتنا جلسات حوار حول تاريخ البلد السياسي، وقد بهرني الرجل بعمقه المعرفي وخبرته الواسعة بتاريخ الدولة الحديث ودقة معلوماته عن أهم منعطفات هذا التاريخ، ومحوية الأدوار التي اضطلع بها خدمة للدولة الموريتانية.
وقد رأيت أن من واجبي تعريفَ الأجيال الجديدة بهذه الشخصية الفذة التي رحلت بصمت عن دنيانا الفانية.  

انخرط أحمد رحمه الله باكرا في النشاط السياسي الوطني؛ حيث كان من المؤسسين الأوائل لحركة الشباب الموريتاني التي تأسست في روصو فبراير 1955 والتي كانت رد فعل وطني على سياسات الاستعمار ، ورفضا لنمط الحزبين الرئيسين الاتحاد التقدمي وحزب الوفاق، وقد عبرت الحركة في بيانها التأسيسي عن : 
1. "الدعوة إلى تطبيق وحدة كل الشباب الموريتاني من دون تمييز في الانتماء السياسي أو العرقي أو الديني، وذلك من أجل الوصول إلى التهذيب الثقافي والمدني لكل السكان الموريتانيين...
2. المطالبة باستقلال موريتانيا السريع، ورحيل فرنسا الكامل.
3. تحقيق أهداف الشعب وتطلعاته إلى الكرامة والحرية والمساواة الاجتماعية".
وهو البرنامج الذي جعل حركة الشباب تتعرض للمضايقة بشتى صنوفها "فقد قوبلت رابطة الشباب الموريتاني -منذ نشأتها- بمناهضة الإدارة الاستعمارية والزعامات التقليدية، وضويق أعضاءها بكافة أشكال المضايقة" (المختار ولد داداه في مذكراته ص 151).
لكن الحركة كانت قد نجحت في هدفها الرئيس وهو التعبير عن المشاعر الوطنية، في إطار البرنامج المتواضع ذي المضمون القومي "التجمع، التأهب، التمتع بحرية التعبير ، باختصار العمل في نفس الوقت كصحافة داخلية غير موجودة، وكمعارضة شرعية" (محمد ولد الشيخ حميد الموريتاني الاستقلال من الاستعمار ص: 79).
وستتوج الحركة طموحها السياسي في الانتخابات البرلمانية 1956 بدعم ترشيخ محمد ولد الشيخ ولد جدو الأخ الأكبر لأحمد لمنازلة قادة الوفاق والتقدم على التوالي أحمدو ولد حرمة وسيدالمختار ولد يحيى أنجاي.
ومع التطورات السياسية الجديدة والتحولات المؤسسية التي حملها قانون الإطار، وإنشاء سلطة في موريتانيا وما أعقبها من اختيار للمختار ولد داداه في قيادة السلطة الجديدة والاستعاضة لاحقا عن القانون الإطاري بالحكم الذاتي، استجاب أحمد ولد الشيخ ولد جدو (وزملاؤه محمد ولد الشيخ ولد أحمد محمود وبوبكر ألفا با، كوني علي بري وغيرهم) إلى طلب المختار ولد داداه الالتحاق به ومساعدته في قيادة التحول الجديد لإحداث توازن مع التراجمة والشيوخ التقليديين وهو الطلب الذي لبت الجماعة لما عرفوا عن المختار داداه من وطنية وواقعية، فيما مضى الجناح الآخر من حركة الشباب الموريتاني نحو التحول إلى إنشاء حزب وطني معارض هو حزب النهضة الوطنية الذي قدم بلاءات وطنية مشهودة، قبل أن ينضم -بعد الاستقلال بأشهر- إلى الرئيس المختار  لنفس الاعتبارات التي بنى عليها رفاقه السابقون موقفهم، وهي الوحدة وتعزيز مؤسسات الدولة الناشئة وما يسميه الزعيم بوياكي "تنظيف المنزل من الداخل" في إشارة إلى تقليم أظافر الجناح التقليدي داخل السلطة.

 *أحمد ولد الشيخ ولد جدو إداريا ودبلوماسيا* 
كان أحمد ولد الشيخ ولد جدو من المقربين جدا من الرئيس المختار ولد داداه وقد أسند إليه منصب الأمين العام لمجلس الوزراء في  الحكومة الأولى وخلال هذه الفترة لعب دورا مهما في  قيادة الفريق المشرف على إصدار القوانين المنظمة للقطاعات الوزارية، ثم شغل لاحقا منصب المدير المساعد لديوان رئيس الجمهورية في الفترة التي كان  فيها الفرنسي "لاري" يشغل منصب مدير الديوان قبل موته في حادث طيران، كما شغل منصب الأمين العام للخارجية وكان نائبا في البرلمان، لكن المجال الأهم في المسار الوظيفي للمرحوم أحمد والذي برزت فيه شخصيته ومهارته القيادية وخدم فيه الدولة الموريتانية بشكل لافت هو المجال الدبلوماسي .
كان الرئيس المختار يمنح عناية خاصة للعمل الدبلوماسي كأداة فعالة للدفاع عن استقلال البلاد ، حتى إن الرئيس المختار احتفظ لنفسه في بداية الاستفلال بمنصب وزير الخارجية.
وقد كان الرئيس المختار موفقا إلى حد كبير في اختيار الشخصيات المؤهلة للمسؤوليات الدبلوماسية في العواصم الأساسية، وقد مكنته معرفته الوثيقة بأحمد  ولد الشيخ ولد جدو المثقف ورجل الدولة الكتوم من حسن الاختيار والانتقاء فقرر الزج بأحمد في المهام الدبلوماسية، فكان أول تعيين له في المجال الدبلوماسي في:
* منصب مستشار أول في السفارة الموريتانية في تونس السفارة الموريتانية الوحيدة في العالم العربي حينها  وكان هو من تولى تنسيق ملف استقبال تونس لأول دفعة من القضاة وكتاب الضبط الموريتانيين في إطار تحضير الدولة لإنشاء قضاء وطني جديد.
* تمت ترقيته بعد ذلك إلى منصب سفير موريتانيا في تونس.
وخلال مرحلته مستشارا أول في السفارة الموريتانية بتونس 1963 أشرف على التنسيق مع صديقه القديم أحمد باب مسكه السفير الموريتاني في الأمم المتحدة على خطوة دبلوماسية خطيرة كان دافعها الأول هو مصلحة موريتانيا.
ففي تلك المرحلة  كانت المغرب  لاتزال تحتفظ بأطماع ترابية في موريتانيا وقبل سنة من ذلك التاريخ طلبت من الحكومة الجزائرية الإذن بعبور قواتها لمنطقة تيندوف من أجل السيطرة على موريتانيا ولكن الجزائر رفضت ذلك وهذا أمر معروف ذكره  بومدين وذكره الوزير الأول المغربي الفيلالي في مذكراته، وبعد ذلك بشهور قليلة حدثت حرب الرمال بين الجزائر والمغرب مما خلق تقاربا جديدا بين المغرب وموريتانيا، وقد استغل الدبلوماسيان الموريتانيان اللامعان أحمد باب مسكة وأحمد الشيخ جدو المناخ العدائي بين الدولتين فأعدا  وثيقة مهمة تقترح على الجزائر طلب تقرير مصير الصحراء الغربية  وتسجيلها كقضية من قضايا تصفية الاستعمار .
وبحسب أحمد باب مسكة فقد تم تنسيق الموضوع  مع سفير جزائري يدعى بوعطور، كان هدف الدبلوماسيين الموريتانيين إدخال الجزائر في الملف وإطالة أمد الصراع خدمة لأهداف استراتيجية موريتانية، وهو الأمر الذي نشرته سنة 2010 وأكده السفير الجزائري في انواكشوط نور الدين خندودي  في خطاب رسمي بتاريخ 10 وفمبر 2019.
"وللحقيقة والتاريخ، فإن موريتانيا هي أول من اقترح على الجزائر اللجوء إلى مبدأ تقرير المصير لحل مشاكل المنطقة، وصاحب المبادرة هو المناضل الكبير أحمد باب مسكة، وقد تبنت الجزائر الفكرة ومن حينها"
وقد ذكر لي السفير أحمد أنه أثناء مهمة دبلوماسية في الجزائر عام 1966 كان السفير الموريتاني في تونس معتمدا في الجزائر أيضا وذلك قبل فتح سفارة في الجزائر ، فقدم مقترحا لوزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بدعوة الرئيس المختار للقيام بزيارة رسمية إلى الجزائر، لكن بوتفليقة الذي كان مهتما باستئناف العلاقات الدبلوماسية الجزائرية المغربية لم يتحمس لذلك، فما كان من السفير أحمد إلا أن سرب الخبر لمراسل وكالة أنباء أمريكية في الجزائر فنشر المراسل برقية حول عدم تحمس الجزائر لدعوة الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه  لزيارة الجزائر خشية إغضاب المغرب، وما إن نشر الخبر حتى ضجت قطاعات واسعة من الرأي العام الجزائري المشحون ضد المغرب منذ حرب الرمال، مما اضطر السلطات الجزائرية لنفي الخبر ودعوة الرئيس المختار لزيارة رسمية للجزائر وخرجت في استقباله حشود تكاد تضاهي الحشود التي خرجت لاستقبال عبد الناصر في زيارته الأولى للجزائر، وكانت تلك الزيارة فاتحة للعلاقات الموريتانية الجزائرية الوثيقة.
* ومن تونس انتقل السفير أحمد إلى السفارة في باريس؛ حيث يتمتع بعلاقات شخصية مع الرئيس ديغول، وبقي هناك حتى تاريخ  اعتراف المغرب بموريتانيا  في العام 1969 
* فتم تعيينه أول سفير لموريتانيا في المغرب، وقد حدثني المرحوم أحمد أنه خلال سفارته في باريس وقبل الاعتراف المغربي بموريتانيا تم تنظيم لقاء دبلوماسي في جنيف بينه وبين وفد دبلوماسي مغربي، فلم يتم التوصل إلى نتائج ملموسة، ولكن بحسب استنتاجه  يبدو أن المغرب كان بصدد الاعتراف بموريتانيا ولكن يفضل أن يسبق ذلك بمحادثات ولو شكلية، وهذا الاستنتاج صحيح من الناحية التاريخية فالموقف المغربي في اتجاه الاعتراف بموريتانيا اتخذه العاهل المغربي قبل فترة ومهد له بخطوات عديدة ولم يحصل فجأة بطلب من الملك السعودي فيصل ومن أجل استضافة القمة الإسلامية كما يتصور البعض.
وبعد القمة الإسلامية بالمغرب 1969 واللقاء التاريخي بين الرئيس المختار والعاهل المغربي الحسن الثاني، عمد الزعيمان إلى نثر كنانتيهما والتنقيب  عن أنسب  الشخصيات الدبلوماسية لتولي قيادة التحول الدبلوماسي الجديد، وبحسب مستشار الملك والوزير عبد الهادي بوطالب  في مذكراته "نصف قرن في السياسة" فإن العاهل المغربي الحسن الثاني  تشاور معه حول الشخصية المناسبة لتكون سفيرا للمغرب في انواكشوط  لأن سفارته في انواكشوط أهم لديه من السفارة في باريس، وقد أجرى الملك  تعديلا وزاريا من أجل تكليف وزير التعليم قاسم الزهيري ليكون أول سفير للمغرب في انواكشوط، وقاسم الزهيري شخصية استقلالية كبيرة وشغل منصب سفير المغرب في السينغال مطلع الستينات.
ومن جهته اختار الرئيس المختار داداه  سفيره في باريس أحمد الشيخ جدو لتولي مهمة أول سفير لموريتانيا في الرباط، وهكذا وفق الزعيمان في اختيار سفراء أكفاء في هذه المرحلة الحساسة مما دفع بالعلاقات بين البلدين إلى آفاق كبيرة.
عاش المرحوم أحمد حياة هادئة ملؤها الإيمان والعلم والبذل، مقبلا على ربه زاهدا في الدنيا، وقد سأل الله عزوجل أن يمتعه بالصحة فلا يبتلى بأمراض الهرم ولايقعد عن أداء مهامه، فاستجاب الله دعاءه، فعاش عمرا مديدا اقترب من إتمام قرن، ولما أحس بدنو الأجل وأصيب بوعكة صحية انتقل من أبي تليميت إلى أولاده وأسرته في انواكشوط ، قائلا لهم: جئتكم ناقلا نفسي وإذا توفاني الله أدفنوني بالقرب من والدتي في مقبرة لكصر .
وفي يوم وفاته نهض من فراش المرض ودخل الحمام واغتسل وحلق ثم رجع لفراشه وأسلم الروح لبارئها في هدوء وحسن ختام.
رحم الله عبده أحمد ولد الشيخ ولد جدو

أربعاء, 25/06/2025 - 19:09