
في خضم ما صدر مؤخرًا من اتهامات عن الحكومة المالية لبلادنا، بادعاء حماية عناصر إرهابية أو توفير ملاذ آمن لها، يبرز من الضروري التذكير بجملة من الحقائق:
▪︎ إن موريتانيا دولة مسؤولة تحترم مواقفها والتزاماتها، وسجلها واضح ومشهود في محاربة الإرهاب والتطرف، ولم يكن موقفها يومًا ملتبسًا أو مزدوجًا في هذا المجال.
▪︎ لقد دفعت موريتانيا ثمنًا غاليًا في مواجهة الإرهاب؛ فقد سقط من أبنائها وجنودها شهداء وهم يؤدون واجبهم في حماية الوطن وأمن المنطقة. وليس ذلك مجرد خطاب سياسي عابر، بل هو تاريخ موثق من التضحيات والعمليات العسكرية والاستراتيجيات الأمنية التي جعلت بلادنا نموذجًا في الاستقرار ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.
▪︎ تدرك دول الجوار، ومعها الدول الفاعلة إقليميًا ودوليًا، أهمية موريتانيا ومكانتها كشريك جاد في مواجهة هذه الآفة التي تهدد الجميع دون استثناء.
وعندما مرت دولة مالي الشقيقة بواحدة من أصعب الأزمات في تاريخها المعاصر، وتمددت الجماعات الإرهابية في مناطق واسعة من أراضيها، لم تكن موريتانيا يومًا في موقع المتفرج، بل وقفت، شعبًا وحكومة، إلى جانب الشعب المالي، إدراكًا لوحدة المصير والجغرافيا، وإيمانًا بأن استقرار مالي جزء من استقرار المنطقة بأسرها.
وفي هذا السياق، كان موقف صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني واضحًا ومسؤولًا بعد الانقلاب العسكري الأخير الذي عرفته مالي؛ إذ رفض كل المحاولات التي سعت بعض الأطراف الدولية والإقليمية إلى الدفع بها نحو محاصرتها أو التضييق عليها اقتصاديًا، خاصة عبر منع عبور البضائع والسلع الأساسية إليها. وعلى العكس من ذلك، شدد فخامته على ضرورة تسهيل حركة التجارة والمساعدات، وفتح الحدود أمام الأشقاء الماليين، وتيسير ظروف إقامتهم ومعيشتهم في موريتانيا، انطلاقًا من واجب الجوار وروابط الأخوة بين الشعبين.
ومع ذلك، فإن ما يُسمع اليوم من اتهامات لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي المعقد الذي تعيشه دولة مالي الشقيقة، حيث تواجه أزمات داخلية متعددة. فليس من الطبيعي ولا من المنطقي لنظام يعيش مثل هذه الظروف أن ينشغل بالبحث عن أعداء خارجيين، وهو يدير دولة أنهكتها الحرب والدمار والانقسام، بدلًا من توسيع دائرة تحالفاته وتقوية حضوره الداخلي والإقليمي، بما يساعده على مواجهة تحدياته الحقيقية.
ومن هذا المنطلق، فإن التعاطي مع هذه الاتهامات يقتضي قدرًا كبيرًا من الحكمة والكياسة السياسية؛ فمصلحة موريتانيا العليا تظل دائمًا في الحفاظ على هدوء خطابها وثبات مواقفها، وعدم الانجرار إلى ما قد يؤدي إلى توتر في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وسياسية معروفة.
إن قوة الدول لا تُقاس بردود الفعل الانفعالية، بل بقدرتها على ضبط النفس والتمسك بثوابتها والاستمرار في أداء دورها المسؤول. وموريتانيا، التي اختارت منذ سنوات نهج الحكمة والتوازن تحت قيادة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تدرك أن استقرار المنطقة لا يتحقق بإشعال الأزمات أو توسيع دائرة الخلافات، بل بالعمل المشترك والتعاون الصادق ومواجهة الإرهاب باعتباره عدوًا مشتركًا للجميع.
إنها موريتانيا الجديدة.



.jpeg)

.jpeg)