
المساواة في جوهرها مساواة في الحقوق والواجبات، مساواة أمام القانون. لكنها، بحقيقتها هذه، تبقى مجردة لا تتمثلها شواهد مادية في حياة الناس؛ فهم يدركون أنهم يتفاوتون في الهيئة والمال والعلم والحظوة. ولعل انتشار الهواتف الذكية في السنوات الأخيرة مثل شاهد المساواة الأبرز. فقد أصبح العامل في أحيان كثيرة يمتلك هاتفا أحسن من هاتف مشغّله، ولديه علاقات أكثر تشعره بأنه أكثر تأثيرا، وهو أحيانا من يشرح له عن تطبيقات لم يجد الوقت لإتقانها، فيسخر بحياء هو ورفاقه من مشغّلهم. فيثمر كل ذلك شعورا بتضاؤل الهوة المادية والتأثيرية والمعرفية، بقدر من المساواة.
من ناحية أخرى، صحيح أن الهواتف الذكية سمحت بـ”عوممة” الرأي السياسي، وأصبح كثير من الناس يعتبرون أنفسهم قادة وموجهين دون مبررات موضوعية، لكنها بالمقابل شغلت العامة عن الفعل السياسي؛ فقد وجدوا فيها مرتعا لا يغادرونه إلا لحاجاتهم الأساسية والضرورة الكسبية. ولعلها بذلك أسهمت أكثر من أي عامل آخر في هدوء الشارع السياسي الذي نعيشه.
لذلك لم يكن قرار فرض ضرائب بهذا الحجم على الهواتف قرارا موفقا على الإطلاق، فهي ضرائب مبالغ فيها من ناحية، ومن ناحية أخرى تنتزع – أو تشعرهم بالرغبة في ذلك – من يد الناس آية المساواة الوحيدة التي يجدونها في كل وقت بين أيديهم شاهدا للتجسيد. كما أن ظروف تحولها إلى حراك معارض مكتملة الأركان؛ فالحراك المعارض يقوم على ركيزتين: شعور عام بعدم الرضى، وقيادة تنظيمية حية. وهي تخلق للأسباب السابقة الشعور العام بعدم الرضى، وهو شعور سيجد في آلاف الشباب العاملين في هذا القطاع، بنقاطه المختلفة، القيادة التنظيمية الحية.
وفق الله وأعان.
د. م. شماد ولد مليل نافع



.jpeg)

.jpeg)