*جمركة الهواتف والإصلاح المالي: حين تبدأ الدولة تنظيم اقتصادها* 

كل تجربة إصلاح اقتصادي حقيقي في العالم تمر بمرحلة شبه حتمية: لحظة يرتفع فيها الجدل وتشتد الانتقادات كلما بدأت الدولة في تنظيم الأسواق وتعزيز مواردها ومحاربة التهرب الضريبي.
هذه الظاهرة ليست جديدة في علم الاقتصاد السياسي. فالإصلاحات التي تهدف إلى ترسيخ قواعد أكثر شفافية وعدالة في السوق غالبًا ما تصطدم بمقاومة من بعض الفاعلين الذين اعتادوا العمل في بيئات يغيب فيها التنظيم الصارم أو التطبيق الكامل للقوانين.
وفي موريتانيا، يبدو أن النقاش الدائر هذه الأيام حول جمركة الهواتف المحمولة يعكس إلى حد كبير هذا النمط الذي عرفته العديد من الدول عندما بدأت إصلاح أنظمتها الاقتصادية والمالية.
ففي خضم هذا النقاش، انتشر لدى بعض المواطنين والتجار انطباع مفاده أن الدولة فرضت ضريبة جديدة على الهواتف. غير أن المعطيات القانونية تشير إلى عكس ذلك.
فوفق قانون المالية لسنة 2026 تم في الواقع تخفيض الرسوم الجمركية على الهواتف الذكية من حوالي 32.75% إلى 30.5%، وهو ما يعني أن العبء الضريبي لم يرتفع بل انخفض مقارنة بالنظام السابق.
كما أن احتساب هذه الرسوم لا يتم على أساس السعر التجاري الحقيقي للهاتف في السوق كما يتصور البعض، بل يعتمد على قيم مرجعية محددة مسبقًا تعتمدها الإدارة الجمركية لكل طراز من الأجهزة، وهي قيم غالبًا ما تكون أقل بكثير من السعر الفعلي للبيع.
وعليه، فإن جوهر التحول الذي يجري اليوم لا يتعلق بإنشاء ضريبة جديدة، بل بإدخال آلية رقمية لتتبع الأجهزة عبر رقم التعريف الدولي للهاتف (IMEI) تسمح بتطبيق الرسوم القائمة فعليًا على نطاق أوسع، بعد سنوات كان فيها جزء معتبر من السوق يعمل خارج التنظيم.
بعبارة أخرى، ما يحدث اليوم هو انتقال تدريجي من سوق تتحرك فيه بعض الأنشطة في هامش غير منظم، إلى سوق أكثر شفافية وانضباطًا.
ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى أن الشباب يمثلون الفاعل الأكثر حضورًا في سوق الهواتف المحمولة في موريتانيا، سواء في مجالات بيع الأجهزة أو صيانتها أو إعادة تسويقها. ولذلك فإن تنظيم هذا السوق لا ينبغي النظر إليه كإجراء يحد من النشاط الاقتصادي، بل كخطوة نحو خلق بيئة أكثر استقرارًا وعدالة للفاعلين الشباب.
فالتجارب الاقتصادية تبين أن الشباب لا يستفيدون من اقتصاد الفوضى بقدر ما يستفيدون من اقتصاد واضح القواعد، يضمن المنافسة العادلة ويحمي المبادرات الصغيرة من الممارسات غير المنظمة التي قد تخل بتوازن السوق.
وفي هذا الإطار، تندرج هذه الإصلاحات ضمن توجه أوسع تعمل الحكومة بقيادة الوزير الأول المختار ولد اجاي على تجسيده في إطار تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي يهدف إلى تعزيز العدالة الاقتصادية، وتحسين فعالية الدولة، وتهيئة الاقتصاد الوطني لمرحلة جديدة من النمو والاستثمار.
وقد بدأت بعض المؤشرات الاقتصادية تعكس بالفعل هذه الديناميكية، حيث سجل الاقتصاد الموريتاني خلال السنوات الأخيرة معدلات نمو قاربت 5%، بالتوازي مع توسع الاستثمارات العمومية في مجالات البنية التحتية والطاقة والمياه، إلى جانب مواصلة البرامج الاجتماعية مثل برنامج "تآزر" الداعم للفئات الهشة.
إن تنظيم الأسواق وتعزيز الانضباط المالي يمثلان شرطًا أساسيًا لأي مسار تنموي مستدام. فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على النوايا الحسنة، بل تقوم أساسًا على قدرتها على تعبئة الموارد العمومية بشكل عادل وشفاف وتحويلها إلى خدمات عمومية وفرص تنمية.
وقد يعلمنا التاريخ الاقتصادي أن الإصلاحات الكبرى غالبًا ما تكون صعبة في بدايتها، وأن الجدل الذي يرافقها لا يعني بالضرورة فشلها، بل قد يكون في كثير من الأحيان دليلًا على أن الدولة بدأت تستعيد دورها الطبيعي في تنظيم الاقتصاد وحماية المصلحة العامة.
إن موريتانيا تقف اليوم أمام آفاق اقتصادية واعدة، خاصة مع الاستثمارات الكبرى المرتبطة بقطاع الطاقة والغاز. غير أن استثمار هذه الفرصة يتطلب دولة قوية، ومؤسسات مالية فعالة، واقتصادًا منظمًا يقوم على قواعد واضحة وشفافة.
فالإصلاح، مهما كان صعبًا في بدايته، يظل الطريق الأكثر واقعية لبناء اقتصاد متوازن ودولة قادرة على تحقيق تطلعات مواطنيها.

 

محمد عبد الله أحمدو احبيب
خبير اقتصادي ومالي

اثنين, 16/03/2026 - 12:49