
في كتابه شذرات من الحياة، الصادر سنة 2025 عن منشورات جسور – عبد العزيز، يروي القبطان الـ ليتو سعيد عبدي سالم مسيرة غير عادية لرجل وُلد في ظروف قاسية داخل مخيم رعوي في جنوب شرق موريتانيا، ليصبح لاحقًا شرطيًا، ثم ضابطًا في الدرك، فرجلًا سياسيًا، فمسؤولًا إداريًا ساميًا. هذا السرد، الذي يتداخل فيه الشخصي بالتأملي، يتقاطع عبر ثلاثة محاور أساسية: الصمود، الالتزام، والبناء الفكري المتدرّج من رحم المعاناة.
المنعطف الأبرز في حياته كان استقالته من سلك الشرطة عام 1972، إثر نقاشات مطولة مع شباب ثوريين من أبرزهم الداه ولد عبد الجليل، حيث أقنعوه بعبثية مهنية قائمة على القمع وحده. عندها، تحوّلت القراءة بالنسبة له إلى وسيلة وعي ومساءلة، وإلى مدخل لتحطيم القوالب الجاهزة. كانت القطيعة مع المؤسسة الأمنية آنذاك بمثابة لحظة مفصلية، قادته نحو انخراط أكثر جدوى في خدمة المجتمع.
التحق بعد ذلك بسلك الدرك، حيث خاض مسارًا مهنيًا حافلًا: مدربًا في روصو، وقائدًا لفرقة الدرك في كيهيدي وأطار، ثم متدربًا في فرنسا، فآمرًا لسرايا، ثم مديرًا للمدرسة الوطنية للدرك.
وفي مقطع مؤثر من مذكراته، يروي لقاءً عابرًا جمعه على كورنيش نواكشوط، قرب الطريق المعروف آنفًا بالكورنيش، بالعقيد معاوية ولد سيد أحمد الطايع، الذي كان حينها رئيسًا للوزراء. خلال الحوار، عرض الـ الليتو بتواضع جملة المهام التي يتولاها: القيادة، الفروسية، القضاء العسكري، الرياضة، التحرير. وقد أعرب العقيد عن إعجابه بقدرته النادرة على الجمع بين هذه المسؤوليات بتفانٍ وصمت.
تميزت مسيرته أيضًا بمواقف شجاعة، أبرزها تصرفه يوم انقلاب 12 ديسمبر 1984. فقد كان قائد السرب المكلف بحماية الرئاسة، فاستشعر التحرك الانقلابي، وأبلغ رجاله، ورفض الانضمام للانقلابيين رغم ضغط رؤسائه. أدى هذا الموقف إلى اعتقاله، قبل أن يُفرج عنه بعد أيام، وقد بثّت إذاعة “البلاغات الشعبية” خبر إطلاق سراحه، ما أثار فرحة عارمة في قريته الأم.
واصل مساره بعد ذلك في مجال التدريب العسكري والقيادة، إلى أن أُحيل إلى التقاعد القسري سنة 1990، على الأرجح بسبب رفضه تنفيذ أوامر تتعلق بأحداث 1989، والتي اعتبرها مخالفة لمبادئه. يتحدث في مذكراته عن توترات دائمة مع رؤسائه، واعتقالين، وتهم يعتبرها ملفقة. ومع ذلك، ظل وفيًا لقناعاته، وقدم شهادته كمعركة أخيرة من أجل إثبات الحقيقة.
بعيدًا عن البعد الذاتي، يشهد شذرات من الحياة على القوة التحولية للفكر النقدي، وللثقافة، وللكتابة. دون نبرة تباكٍ، يؤكد المؤلف على وعي ناضج تشكّل في خضم المحن، وتغذّى من الدراسة والنقاش. لقد نجح كمثقف عصامي في سدّ ثغرات تكوينه بالتأمل والصرامة. تبدو طريقته أشبه بتلك المعتمدة في دفاتر المحاضر اليومية لدى الشرطة والدرك والقضاة: كل شيء مدوّن بدقة، مؤرخ، ومفصّل — وهي وسيلة أعانته على استرجاع ذاكرته وتثبيت الأحداث بعناية.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع جميع رواياته — خصوصًا وقفته الفروسية في وجه انقلاب 12 ديسمبر، رغم كونه “ثورة بلا دماء” — فإن الكتابة هنا تُمارس كفعل ضروري: لتفكيك السرديات، وإعادة تركيب الأحداث، والمطالبة بمكانة مستحقة في الذاكرة الجماعية.
تحية تقدير أيها القبطان، على شهادة كُتبت بجرأة وصدق ووفاء لفكرة نبيلة عن الخدمة.
احمد محمود جمال ولد احمدو
باحث



.jpeg)

.jpeg)