رحيل انغيده مختار يعيد ملف الإرث الإنساني إلى الواجهة

يشكل رحيل انغيده عليون مختار، رئيس إطار التشاور للناجين في موريتانيا (CCRM)، وإحدى الشخصيات المحورية في النضال من أجل العدالة الانتقالية، محطة فارقة في مسار الذاكرة الوطنية في موريتانيا.

فقد كرّس الضابط السابق، والناجي من معتقل ولاته سيئ الصيت، حياته لنضال طويل من أجل تسوية عادلة لملف الإرث الإنساني. ويستذكر رفاقه في إطار التشاور للناجين، وفي تجمع الأطر ضحايا الأحداث (CCVE) الذي يرأسه رشيد لي، إلى جانب نشطاء حقوق الإنسان، مسيرة رجل عُرف بروح التوافق والبحث عن الحلول.

وكان انغيده مختار حريصًا على تغليب الحوار البنّاء مع الدولة على المواجهة، من دون أن يعني ذلك التنازل عن كرامة الناجين أو حقوقهم الأساسية.

 

 

اعتراف رمزي من الدولة

 

وفي مؤشر على المكانة التي كان يحتلها الراحل في هذا الملف الوطني، أوفدت السلطات وفدًا رسميًا رفيع المستوى إلى أسرته. فقد زار مفوض حقوق الإنسان والمنسق الوطني للحوار موسى فال منزل الراحل لنقل تضامن وتعازي رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني.

وقد استقبلت أسرة الراحل ومجموعة الضحايا هذه الخطوة بامتنان، معتبرة أنها تتجاوز البعد البروتوكولي، وتحمل اعترافًا رمزيًا بالدور الذي اضطلع به انغيده عليو مختار بوصفه شريكًا أساسيًا في مسار معالجة الملف.

وفي الوقت الذي عبّر فيه الناجون عن شكرهم لرئيس الجمهورية على هذه اللفتة، دعوه إلى تحويل دلالتها الرمزية إلى إجراءات ملموسة. ويرى كل من CCRM وCCVE أن أفضل تكريم للراحل يتمثل في استكمال المسار الذي ظل يدافع عنه حتى آخر أيام حياته.

 

 

مسار «يراوح مكانه»

 

ورغم ما يصفه الناجون بالإرادة السياسية التي أبداها رئيس الجمهورية في البداية، واستمرار جهود مبعوثيه الرسميين، فإن تقييمهم لمسار الملف يظل متشائمًا، إذ يعتبرون أنه يراوح مكانه ويتقدم ببطء منذ عام 2022، رغم أن الملف بصيغته النهائية موجود، بحسبهم، لدى رئيس الجمهورية منذ عدة أشهر.

ويعبر الناجون عن قلقهم إزاء ما يصفونه ببعض «الترتيبات» الفنية والسياسية التي لا تزال تعرقل التوصل إلى الاتفاقات النهائية. ويرون أن استمرار هذا البطء الإداري والسياسي قد يقود إلى تعثر المسار، بل ويهدد المكاسب التي تحققت حتى الآن.

كما يتحدثون عن تحركات من أطراف تعمل، بحسبهم، من وراء الكواليس لعرقلة التقدم الذي تحقق بعد سنوات من النضال والتضحيات. ولذلك يطالب CCRM وCCVE بتسريع حاسم للمسار، تفاديًا لتغلب الشكوك والعراقيل على فرص التسوية النهائية.

 

 

خارطة طريق لترسيخ المصالحة

 

ويرى الناجون أن استكمال الملف وترسيخ المصالحة الوطنية بصورة مستدامة يتطلبان اعتماد ما تم الاتفاق عليه بالفعل وتنفيذ خارطة طريق واضحة، تقوم على عدة محاور:

* التسوية النهائية للحقوق: اعتماد الخلاصات الفنية الجاهزة منذ 2022 والمتعلقة بالتعويض العادل، ومعاشات تقاعد العسكريين والموظفين السابقين، وتسوية مساراتهم المهنية.

* واجب الذاكرة وجبر الضرر الرمزي: إقرار ما تم الاتفاق عليه بشأن تحديد أماكن الدفن، وإقامة النصب التذكارية، ورد الاعتبار المعنوي للضحايا.

* إزالة العقبات السياسية المتبقية: تدخل رئيس الجمهورية لحسم «الترتيبات الفنية» التي تحول دون التوقيع النهائي على بروتوكول اتفاق شامل بين الدولة وتجمعات الضحايا (CCRM وCCVE).

* إطلاق المشاورات الوطنية: إغلاق هذا الملف رسميًا باعتباره، وفق رؤية التجمعين، شرطًا ضروريًا للدخول بهدوء ووحدة في المشاورات الوطنية الشاملة حول مستقبل التماسك الاجتماعي في موريتانيا.

ويؤكد أصحاب هذا الطرح أن إرث الحوار الذي تركه انغيده  مختار ينبغي ألا ينتهي برحيله، معتبرين أن المسؤولية باتت تقع على عاتق الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لحسم ملف الإرث الإنساني بصورة عادلة ونهائية، بما يسمح بطي هذه الصفحة المؤلمة من تاريخ موريتانيا.

وقال أحد الناجين الأعضاء في إطار التشاور إن «التسوية النهائية للإرث الإنساني هي التكريم الحقيقي لرئيس CCRM الراحل».

أحد, 09/08/2026 - 16:21