آلهةٌ من طين... وعقولٌ من قش

نحن شعبٌ يتنفسُ العبودية المختارة باحترافيةٍ عالية، ونملك موهبةً خرافيةً في تحويل الكائنات العادية إلى آلهةٍ سريعة الذوبان. نصنع من طينِ الزيف صَنماً، نلبسُهُ عباءةَ العصمة، ونمشي خلفه في جنازة عقولنا، مصفقين بذهولٍ يشبه الخدر. كم هو مثيرٌ للشفقة هذا المجتمع الذي لا يستطيعُ أن يعيش دون أن يسجد لظلّ رجل، أو يسبّح بحمد بطلٍ وهمي خلقه في لحظة فراغٍ روحي!
​في مسرحيةِ التقديسِ اليومية، يتبارى العبيدُ في لثم الأيادي، ويكتبون معلقات الغزل في حكمةِ شخصٍ لا يملك سوى موهبة الركوب على أوهامهم. نسحقُ الإنسانَ البسيط تحت أقدام الحاجة والتهميش، بينما نبني لشيخٍ أو حاكمٍ أو "نجمٍ" متسلق تمثالاً من بخورٍ وكلمات، ثم نتساءل بإنكارٍ طفولي: لماذا يطغى هؤلاء؟ يطغون لأنكم من منحتموهم القالب، وسكبتم فيه مياه الألوهية الرخيصة. إن أسهل طريقة لقتل إنسان، هي أن تنفخ فيه حتى يتوهم أنه معصوم، ثم تنصدم حين يدوسك بحذائه.
​يا لسخرية الأقدار! نقدس رجلاً ينسى، ويخطئ، ويشتهي، ويمرض، لكننا نصرّ على أن عطاسه حكمة، وسكوته عمقٌ فلسفي، وغضبه قدرٌ مقدور. نتزاحم عند بوابات موكبه، نلتقط الصور مع ظله، ونصرخ بوفاءٍ مجانيٍّ يبحث عن سيد. لقد أتقنا صناعة الأصنام حتى أصبح المصنعُ أذكى من الصانع؛ نحن لا ننشد الحقيقة، بل نبحث دائماً عن جدارٍ مائلٍ نسند عليه عجزنا، ونسميه «المُخلّص».
​هذا المجتمع يعشق أن يُحكَم بالهيبة الرديئة، يكرهُ الناقدَ لأنه يوقظه من غيبوبته، ويعشق المداحَ لأنه يربت على جهله ويعده بالجنة. تحولنا إلى كورالٍ يصفق لمن يسوقه، ويترنم بكراماتٍ لم يرها، ويلبس أردية الخشوع أمام كل من أجاد ارتداء القناع. ما أسهل أن تملك أمة، إذا أقنعتها أنك تنطق باسم السماء، أو أنك حارس الهوية، بينما أنت في الحقيقة مجرد جسدٍ فاني يخشى الريح.
​سيبذل هذا العالم كل ما في وسعه كي يجعلك خادماً في هيكل أحد الأصنام البصرية أو الروحية. لكن الفاجعة الكبرى ليست في الآلهة المزيفة التي نخترعها كل صباح ونعبدها في المساء، بل في تلك العقول التي نسيت كيف تفكر بحرية، واستسهلت أن تكون حاشية تصلي في محراب العدم.

 

رملة سيد احمد

أحد, 09/08/2026 - 09:04