
في أزقة "الفلوجة" الحزينة بمقاطعة عرفات، حيث يتداخل الغبار بالمأساة، تعلمنا الحكومة الموريتانية كل يوم كيف نعشق جلادينا بصمت ونقبل بالهوان بكبرياء. هناك، في كواليس العبث، لم تعد البطولة لرجل سياسة يرتدي دراعة أنيقاً، بل لكلبة مشتبه في إصابتها بداء الكلب، حازت من الهيبة والحصانة الدبلوماسية ما لم يحلم به مواطن قضى عمره يصفق في المهرجانات الانتخابية.
سبعة أشهر بالتمام والكمال، وهذه "السيدة المصونة" تتجول بحرية مطلقة في شوارع الحي، تختار أجساد الأطفال الغضة لتطبع عليها توقيعها الأنيق، بينما تقف الدولة بكامل أجهزتها متفرجة، بل ومدافعة بشراسة عن حق الكلبة في الحياة والحرية والافتراس! يبدو أن مسؤولينا اكتشفوا فجأة روح الإنسانية العالية والرفق بالحيوان، لكنهم نسوا كالعادة أن يضموا "طفل عرفات" إلى قائمة الكائنات التي تستحق الحياة.
وعندما تجرأ الأهالي المكلومون على طرق باب "الحاكم" الموقر، ينشدون الخلاص لأبنائهم المخضوبين بالخوف والدماء، لم يجدوا منه عدلاً ولا علاجاً، بل جاءهم التهديد صريحاً كصفعة خيانة: "إياكم والعودة إليّ مجدداً!". يا إلهي، أي غرام أفلاطوني هذا الذي يربط السلطة بوفائها المطلق لسلامة كلبة مسعورة؟ وأي هيبة هذه التي تشهر سيف القانون في وجه المواطن الأعزل لمجرد أنه فكر في الدفاع عن طفله، بينما تترك تسعة وثمانين بالمئة من المراكز الصحية خاوية من أي جرعة لقاح، وكأن المصل المضاد للموت أصبح أسطورة غرامية نادرة يبحث عنها العشاق في قصائد العصر الجاهلي ولا يجدونها في مستشفيات الدولة!
إنها الكوميديا السوداء التي تجعلنا نتساءل في حسرة: هل يتوجب على أطفال الفلوجة أن يستبدلوا بهوياتهم الوطنية ذيولاً كي يحظوا باهتمام المصالح البيطرية؟ أم أن على الآباء أن يقدموا اعتذاراً رسمياً للسلطات لأن دماء أبنائهم الزكية لوثت أنياب تلك الكلبة الشريفة؟
في بلد تُدار فيه الصحة العامة بأسلوب التغافل، وتتلاشى فيه الأدوية كما تتلاشى الوعود التنموية بعد كل اقتراع، يثبت النظام أنه لا يحارب داء الكلب، بل يمارسه كفلسفة إدارة. تدع الشارع يُعَضّ، والمستشفيات تحتضر، والمسؤول يهدد، والكلبة تسود. سلامٌ على وطنٍ أصبحت فيه أنياب الخوف هي الحاكم الفعلي، وصار فيه المواطن يشارف على الموت حاداً، بينما تحظى الكلاب المسعورة ببروتوكولات الحماية الرسمية.
رملة سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)