
كانت الرياح عاتية لكن الراية كانت أطول من قامات الخيبة هكذا تبدأ الحكاية حكاية حزب ولد من رحم المعارضة العميقة ليكون صوتا لمن لا صوت له وملاذا لمن سئموا طابور الطاعة العمياء تكتل القوى الديمقراطية في موريتانيا ذلك الكيان الذي لم يكن مجرد تنظيم سياسي بل كان شاعرا هادرا يملأ الساحات بالحماس وصرحا كبيرا ظن أبناؤه أن أسمنته أبدية وأنهم على موعد دائم مع قمم المجد
لكن الأيام دول والسياسة خائنة كرمال الصحراء لا تهدي خطا السائرين إلا لتتركهم في العراء
الفصل الأول زمن العنفوان والأمل 2006 - 2007
ترى هل تتذكر جدران المقر القديم تلك اللحظات التي لامست فيها الأحلام السماء؟
في خريف 2006 كانت الانتخابات التشريعية تعلن ميلاد عملاق جديد فقد حصد الحزب بقيادة زعيمه التاريخي أحمد ولد داداه نحو 16 إلى 18 مقعدا برلمانيا من أصل 95 مقعدا وقتئذ متربعا على عرش المعارضة كأقوى وأشرس كتلة برلمانية تشاكس السلطة كان الحزب يومها يرفل في ثوب الزعامة يوزع الأمل على جماهيره كمن يملك خزائن الغد
ولم يكد المد العالي ينحسر قليلا حتى جاءت عاصفة الانتخابات الرئاسية عام 2007 لتكاد تحطم السقف الأخير حيث وصل أحمد ولد داداه إلى الشوط الثاني ليحصد نسبة مذهلة بلغت 47.15 بالمئة من أصوات الناخبين واقفا على عتبة القصر الرئاسي قاب قوسين أو أدنى كانت الأرواح تضج بالحياة والقلوب تخفق بالوصول الوشيك لم يكن التكتل مجرد حزب بل كان وطنا مصغرا يحلم به الملايين
كنا نرى القصر قريبا قدر ناصية الحلم وكنا نؤمن أن الصباح الآتي لن يكون إلا لنا لكن الرياح لم تكن تأتي بما تشتهي سفن الرفاق
الفصل الثاني ريح التصدع وبداية الأفول 2009 - 2014
كل قصة صعود عظيم يرافقها غالبا هبوط خفي لا يلاحظه إلا الحكماء مع تسارع الأحداث السياسية والانقلابات والتحالفات المتشابكة التي شهدتها البلاد بدأ الجسد الحزبي يترهل
التغيرات العميقة في البنية السياسية الموريتانية ودخول وجوه جديدة وتبدل مزاج الشارع بين مهادن ومقاطع أخذ ينهش من رصيد التكتل ورغم استمرار الحزب في الواجهة إلا أن لغة الأرقام بدأت تتحدث بصوت خافت يعلن بداية التآكل البطيء المقاعد البرلمانية تقلصت تدريجيا والكتلة التاريخية الصلبة بدأت تتفتت تحت وطأة الانشقاقات والإرهاق السياسي المزمن بعد عقود من المعارضة دون قطف الثمار
الفصل الثالث طيف الماضي المكسور رئاسيات 2019
مرت السنوات العجاف وجاءت انتخابات 2019 الرئاسية لتكشف عن هول الهوة السحيقة التي سقط فيها الحزب تدريجيا
حينها دفع التكتل بالقيادي البارز محمد ولد مولود مرشحا باسمه وخطه المعارض لكن الصدمة كانت بالغة الكارثية على وجدان المناضلين القدامى إذ لم يحصد المرشح سوى 2.44 بالمئة فقط من أصوات الناخبين أي ما يعادل 22695 صوتا فقط
تخيلوا من 47 بالمئة قبل اثني عشر عاما فقط إلى ما دون الثلاثة بالمئة! كان الرقم أشبه برصاصة رحمة أطلقت على أسطورة الحزب الجماهيري إعلانا بأن الحزب الذي كان يملأ الأرض صخبا بات غريبا في دياره لا يكاد يلتفت إليه سوى القلة المتبقية من الرعيل الأول الذين شاخوا على أمل العودة
الفصل الرابع الصمت الأخير تشريعيات 2023
وصلت المأساة إلى فصلها الأخير في انتخابات مايو 2023 التشريعية والمحلية
لم يعد الأمر مجرد تراجع أو خسارة مقاعد بل كان إعلانا للغياب التام في خريطة برلمانية أعيد تشكيلها بقسوة ووسط صعود قوى جديدة واكتساح مشهد الأغلبية تبخرت ما تبقى من مقاعد التكتل التاريخية في الجمعية الوطنية انطفأت آخر شمعة في المقر الذي شهد أمجاد الأمس
خرج الحزب العريق من الخريطة البرلمانية تماما جنبا إلى جنب مع أحزاب تاريخية أخرى أكل الدهر عليها وشرب ليتحول الكيان الذي كان يهز عرش السياسة إلى مجرد ذكرى باهتة في أرشيف الصحف وأسطورة تروى في مجالس السياسيين عن كيف كان الحزب عظيما وكيف انتهى إلى لا شيء
مرثية ختامية
اليوم حين تمر بمحاذاة المقر القديم لتكتل القوى الديمقراطية لا تشم سوى رائحة الغبار وأطياف الماضي الكراسي التي هزها صخب الهتافات باتت صامتة والأوراق التي خطت بيانات الغد المشرق تحولت إلى صفراء تحت وطأة النسيان
هكذا غاب التكتل ليس بضربة قاضية واحدة بل بموت بطيء على صخرة الأيام ليترك خلفه درسا قاسيا بأن السياسة لا ترحم من يعيشون على أمجاد الأمس وبأن رمال الصحراء مهما طال الزمن تعود دائما لتغطي آثار الأقدام الراحلة.
رملة سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)