غاديو و«المخيال» السنغالي.. حين تصطدم الذاكرة بالتاريخ

لا أستطيع إخفاء دهشتي إزاء التصريحات التي أدلى بها خلال الأيام الماضية وزير الخارجية السنغالي الأسبق، السيد الشيخ التيجاني غاديو، حين قال: «نحن السنغاليين، في مخيالنا، نشأنا تقريبًا على فكرة أن المغرب كان على بُعد بضعة كيلومترات من السنغال».

قد يكون المخيال بالنسبة للمثقف مصدرًا للإلهام، لكن السيد غاديو ليس مثقفًا عاديًا؛ فهو وزير خارجية سابق، وما يزال فاعلًا في الساحة السياسية السنغالية. ومن ثم، يُنتظر منه قدر أكبر من الدقة الفكرية والاستناد إلى مرجعيات تاريخية أكثر رسوخًا.

ومن المعروف أن المملكة المغربية كانت قد تبنت، عند حصول موريتانيا على استقلالها، مطالبات بشأنها. غير أن تلك الادعاءات لم تستند إلى أي أساس تاريخي معتبر. أما الثابت تاريخيًا، فهو أن المرابطين، الذين نشأت حركتهم وتطورت داخل حدود الأراضي الموريتانية الحالية، تمكنوا منذ القرن الحادي عشر من فتح المغرب بأكمله، وأسسوا مدينة مراكش الكبرى في عهد يوسف بن تاشفين، قبل أن يمتد نفوذهم إلى جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية.

وخلال القرون اللاحقة، كان المستكشفون الأوروبيون والمراكز التجارية يتعاملون مع كيانات محلية قائمة، إلى أن بدأ التغلغل الاستعماري الفرنسي مطلع القرن العشرين انطلاقًا من الجارة السنغال. ومنذ ذلك الحين، أصبح الجوار بين موريتانيا والسنغال أكثر وضوحًا وتجسدًا، إلى درجة أن المستعمرتين كانتا تتقاسمان العاصمة نفسها، وهي سانت لويس.

ومنذ استقلالهما، حرصت موريتانيا والسنغال على صيانة أفضل علاقات الصداقة والأخوة والتعاون وحسن الجوار، وسيظل الأمر كذلك دائمًا.

وأرى أن السيد غاديو لم يكن موفقًا في تعميمه حين قال: «نحن السنغاليين…». فأنا أعرف السنغال جيدًا، وقد أمضيت جزءًا كبيرًا من طفولتي هناك. ففي الأوساط الشعبية يُستخدم اسم «گينار» (Guennar) للدلالة على موريتانيا، الجارة الشمالية، ويُطلق على الموريتانيين اسم «نار-گينار» (Nar-Guennar). ولا يخلط الناس هناك بينهم وبين المغاربة، الذين يسمونهم «نار-فاس» (Nar-Fass)، نسبة إلى مدينة فاس المغربية، تمامًا كما يستخدمون تعبير «نار-بيروت» (Nar-Beyrouth) للإشارة إلى اللبنانيين والسوريين.

ويبقى أن أقول كلمة بشأن الوساطة السنغالية في الاتفاق الموريتاني – الموريتاني سنة 2008. فقد استحضرها السيد غاديو ليبرز الدور الشخصي الذي أداه، آنذاك، بصفته وزيرًا للخارجية. وقال إن جميع الموريتانيين يكنّون التقدير لتلك الجهود التي أسهمت، بحسب تعبيره، في «إعادة السلام» و«تجنب حرب أهلية».

ولا بد من الإقرار بالدور المهم الذي اضطلعت به السنغال، وبخاصة وزير خارجيتها آنذاك السيد غاديو، في تيسير التوصل إلى ذلك الاتفاق. غير أن الحديث عن تهديد بحرب أهلية يبدو، في تقديري، مبالغًا فيه. فالواقع أن الساحة كانت تضم معسكرين: أحدهما يعارض الانقلاب، والآخر يؤيده، وكانت المواقف المطروحة ذات طبيعة سياسية لا أكثر.

وكان الرئيس السنغالي آنذاك، عبد الله واد، قد أشاد خلال زيارة إلى نواكشوط بالنضج الديمقراطي الذي طبع النقاشات حول الاتفاق، وبأجواء الود التي سادت بين الوفود المشاركة، وهي الأجواء نفسها التي قال إنه لمسها في الشوارع الرئيسية للعاصمة الموريتانية.

بيجل هميد
ترجمة: أقلام

اثنين, 03/08/2026 - 23:24