
في الصباح، اجتمع كبار الحزب في القاعة الكبرى. كانت الشعارات المذهبة تعلو الرؤوس، وتتزاحم في الهواء كطيور خرافية: «معا لنصنع الغد»، «الانحياز للضعفاء»، «عصر العدالة الشاملة».
ارتدى الجميع حللهم البهية، وعلقوا ابتساماتهم الجاهزة على الوجوه، ثم اعتلاوا المنصة المرتفعة بحذر شديد.. حذر من يخاف أن تتلوث أطراف ثيابه برائحة التراب.
على الأرض، وتحت المنصة تماما، كان هناك رجل استلقى على السجاد؛ لأن قدميه لم تسعفاه على الوقوف، ولأن صاحب «الإنصاف» الذي صمم القاعة نسي أن يصنع كرسيا أو ممرا لمن لا يملكون أقداما خشبية.
بدأ الحفل.
وقف الخطيب الأول، مسح عرق جبهته بمنديل حريري، ثم صرخ في الميكروفون بحماس اربك المكبرات:
— «نحن هنا لنصون كرامة المواطن! نحن السند لمن لا سند له!»
صفق الحاضرون على المنصة بحرارة. صفقوا بطريقة منتظمة، كأن أيديهم تتحرك ببطاريات خفية.
نظر الرجل المستلقي على الأرض إلى الأعلى. رأى أسفل أحذية الخطباء وهي تلمع تحت الضوء. تمنى لو أن الخطيب ينظر إلى الأسفل قليلا ليرى من الذي يتحدث عنه، لكن عيني الخطيب كانتا معلقتين بالسقف، حيث تدور آلات التصوير.
جاء دور الخطيب الثاني، فتقدم بخطى واثقة وقال:
— «حزبنا لا يعرف التهميش! حزبنا يحمل قضايا ذوي الاحتياجات في قلبه!»
في تلك اللحظة بالذات، شعر الرجل الممدد على الأرض ببرودة البلاط تتسلل إلى ظهره. فكر في قلبه: «يا لها من مأواة دافئة تلك التي يمنحونها لي في قلوبهم، بينما يتركون جسدي يلتصق بالأرض!»
استمر المهرجان ثلاث ساعات كاملة.
تزاحمت فيها الكلمات الضخمة: «التنمية»، «التمكين»، «الدمج»، «الرفاه». كانت الكلمات متينة وجسيمة، تتطاير في القاعة وتصطدم بالجدران، لكنها كلما هبطت نحو الأرض، تبخرت قبل أن تصل إلى الرجل المستلقي.
وعندما انتهى المهرجان، سارع المصورون لالتقاط الصور التذكارية. قال مدير التصوير:
— «ابتسموا جميعا! نريد صورة تظهر حشدنا وتنوعنا!»
التقطت الكاميرا المشهد كاملا: المنصة المضيئة في الأعلى مليئة بالوجوه الضاحكة والصدور المنفوخة، وفي الأسفل.. إنسان كامل الأهلية، سحقت كرامته على الأرض ليصير مجرد «ديكور» تكتمل به اللوحة السياسية.
خرج قادة الحزب من الباب الخلفي المكيف، وركبوا سياراتهم الفارهة، وهم يشعرون براحة الضمير؛ فقد ألقوا خطابات رنانة عن العدالة والإنصاف.
أما الرجل المستلقي على الأرض، فقد انتظر حتى أطفئت أضواء القاعة، ومسح الغبار عن ثوبه، وهو يدرك أن «الإنصاف» في هذا الحزب ليس سوى اسم عابر على لافتة قديمة، وأن العائق الحقيقي في هذا البلد ليس في أقدام من لا يمشون.. بل في عقول من يجلسون على المنصات!
رملة سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)