
في حانات الثقافة ومقاهي النضال الأنيقة، تلتقي بالنخبة المنتفخة بالدّعاوى.
رجالٌ ينفقون أوقاتهم في تحبير البيانات، وتنظيم اللحى، واستعراض مظلومية التاريخ وهم يحتشفون القهوة على حساب قضايا الأفقراء. أسمعهم يتحلقون حول حلمهم الأكبر، كأطفال يشتهون لعبة برّاقة: "فقط لو أصبح الرئيس حرطانياً، ولو كَثُرَ الوزراء والجنرالات من جِلْدتنا، لسقطت القلاع وفتح الصبح أبوابه!"
يا لَهَوان الطموح، ويا لَخيبة الرهان!
أي عَمَى هذا الذي يجعل "نخبة" بأسرها تعتقد أن كراسي السلطة تتغير إذا تغير لون أجساد الجالسين عليها؟ يظنون -عن جهلٍ أو انتهازية- أن المعاناة تزول بمجرد أن يرتدي ابن الأمس بذلة السلطان، وأن بؤس الأحياء الشعبية سينتهي إذا تمايلت سيارة فارهة يحمل لوحتها الرئاسية شخص يشاركهم السمات!
دعوني أصدمكم بلغة لا تحتمل التجميل:
لو جئتم برئيسٍ حرطاني، وحشوتم الحكومة بوزراء من طينتكم، وزينتم المؤسسة العسكرية بجنرالاتٍ تحملون ألقابهم... لن يغير ذلك من واقع المستضعفين قيد أنملة.
أتدرون لماذا؟ لأنكم لا تبحثون عن "عدالة"، بل تبحثون عن " حصة في الغنيمة".
النخبة التي تركز على "لون الحاكم" بدلاً من "طبيعة الحكم" هي نخبة مشبوهة، جائعة للمناصب لا للكرامة. حين يصل صاحبكم إلى ذلك الكرسي العاجي، سيمارس ذات الطغيان، ويسرق بنفس الأناقة، وسيتعلم سريعاً كيف ينسى رائحة الغبار التي جاء منها. سيتغير فقط اسم النهّاب، وسيصبح قمعكم "وطنياً" ومبرراً؛ لأن القامع هذه المرة يشبّهكم!
سيتبرع لكم الرئيس الحرطاني ببعض الخطابات العاطفية، وسيوزع الوزراء الحرطانيون الابتسامات في المناسبات، بينما يظل الفقير في "أدباي" كما هو: بلا مدرسة، بلا مشفى، وبلا مستقبل. كل ما سيتغير أن النخبة ستشبع، وتصمت، وتتحول من "مناضلة بالوكالة" إلى "حارسة للنظام بأجر".
المشكلة لم تكن يوماً في لون البشرة، بل في العقول التي ترتضي دور "العبد الذي يحلم بأن يصبح سيداً" بدلاً من أن يدمر نظام العبودية نفسه.
اكفوا عن المتاجرة بآلام البسطاء لتشييد أمجادكم الشخصية. فالعدالة لا تُقاس بقوائم التعيينات، والحرية لا تُمنح في مرسوم رئاسي؛ ومن يتوهم أن كرسياً كاذباً سيصنع تاريخاً، فليستيقظ من سكرته.. فالنظام لا يُغيره من يشتهي الجلوس على عرشه!
رملة سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)