
لم تخرج الندوة التي نظمها حزب اتحاد قوى التقدم حول ملف «الإرث الإنساني» بالصورة التي كان يمكن أن تجعل منها فضاءً وطنيًا جادًا للنقاش، إذ سرعان ما طغت على أجوائها التوترات والاحتجاجات والخلاف حول من يحق له الكلام، وكيف، وفي أي وقت.
وبدل أن تتيح الفعالية مواجهة هادئة بين المقاربات المتباينة بشأن تسوية هذا الملف، بدت إدارة النقاش أقرب إلى محاولة ضبط الأصوات المخالفة وحصرها داخل هامش ضيق، خصوصًا تلك التي لا تنسجم مع الرؤية التي يدافع عنها الحزب المنظم.
ومن أبرز الأسماء التي جسدت هذا التباين عبد السلام ولد حرمة، رئيس حزب الصواب، وهو أحد الموقعين على وثيقة تقدم تصورًا مختلفًا لمعالجة الملف، سبق أن وصفها بعض قادة اتحاد قوى التقدم بأنها ذات نزعة «شوفينية». وقد كان منتظرًا أن تحظى مثل هذه الرؤية، بما تمثله من اختلاف سياسي وفكري، بمساحة كافية للنقاش، غير أن مجريات الندوة أوحت بعكس ذلك.
كما أثارت مداخلة القيادي الناصري الشيخ بكاي توترًا داخل القاعة، بعد أن طلب ترجمتها، قبل أن تتدخل الضوضاء والاعتراضات لتقطع مسار الترجمة. وقد أعطى هذا المشهد انطباعًا بأن المشكلة لم تكن فقط في تنظيم الوقت، بل في مدى الاستعداد الحقيقي لسماع خطاب لا ينسجم مع المزاج العام للمنظمين.
وتكررت الاعتراضات منذ اللحظات الأولى، خاصة عند الإعلان عن أسماء المتدخلين، حيث طالب نائب رئيس حزب الصواب أحمد ولد عبيد بتمثيل أوسع للاتجاهات المختلفة. ورد رئيس الحزب محمد ولد مولود بأن الاختيارات راعت الوقت والتنوع، غير أن ما جرى لاحقًا لم يبدد الشعور بأن توزيع فرص الكلام لم يكن متوازنًا.
ومع امتداد الندوة لساعات طويلة، ازدادت مظاهر الارتباك في إدارة المداخلات، وتراكمت حالات الانتظار والاحتجاج، إلى أن غادر السياسي محمد الكوري ولد العربي القاعة اعتراضًا على تأخير دوره.
ورغم أن الكلمات الختامية رفعت شعارات الوحدة الوطنية والأخوة، فإن الانطباع الذي تركته الندوة كان مختلفًا. فقد كشفت أن الحديث عن المصالحة والإنصاف يظل ناقصًا عندما لا يقترن بقبول الرأي الآخر، حتى حين يكون حادًا أو بعيدًا عن موقف الجهة المنظمة.
وبهذا المعنى، لم يكن تعثر الندوة ناتجًا عن حساسية الموضوع وحدها، بل عن إدارة لم تستطع تحويل الخلاف إلى حوار. فالملفات الوطنية الكبرى لا تُحل بتقريب المتشابهين، وإنما بفتح المجال أمام المتعارضين، والاستماع إليهم دون تضييق أو تصنيف مسبق



.jpeg)

.jpeg)