الفجوة بين النصوص والممارسات في إدارة المسارات المهنية العسكرية

تابعت باهتمام بالغ مداخلة وزير الدفاع أمام النواب بشأن مسألة ترقية الضباط. ومن حيث العرض النظري، لا بد من الإقرار بأن رده جاء محكم البناء، متماسك الحُجج، ودقيق الصياغة. فقد استعرض بصورة منهجية مختلف المبادئ التي يُفترض نظرياً أن تؤطر تطور المسار المهني للعسكريين، من كفاءة وخبرة وتأهيل مهني وأقدمية وتقييم موضوعي، فضلاً عن متطلبات المؤسسة العسكرية وضرورات القيادة.

ولو اكتفى المرء بالاستماع إلى هذا العرض، لأمكنه أن يعتقد بوجود منظومة عقلانية متكاملة، قائمة على تكافؤ الفرص والشفافية وأولوية المعايير الموضوعية التي تشكل عادة أحد أهم مصادر قوة الجيوش ومهنيتها. غير أن هذا التصور النظري يصطدم بواقع مرير يعرفه كثير من الضباط الذين خدموا داخل هذه المؤسسة، حيث لا تزال هناك هوة واسعة بين النصوص والممارسات، وبين المبادئ المعلنة وآليات اتخاذ القرار الفعلية.

إن الإشكال الجوهري لا يكمن في جودة النصوص التنظيمية ذاتها. فهذه النصوص، على الورق، ترسم في الغالب إجراءات متوازنة ومنسجمة. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية تفسيرها وتطبيقها. فقد أثبتت تجربة العقود الماضية أن هذه القواعد كثيراً ما تُطبَّق بصورة انتقائية، بل يجري الالتفاف عليها في معظم الأحيان بدوافع واعتبارات لا تمت بصلة إلى المصلحة المهنية أو مقتضيات الخدمة، وإنما تتدخل في إطار صناعة القرار عوامل أخرى أكثر تأثيراً.

وتُعد قضية الترقية من أوضح الأمثلة على ذلك. فالنصوص التنظيمية تنص على أن الترقية تتم «بالاختيار». غير أن هذا المفهوم، كما أرادته النصوص، لا يعني إطلاقاً حرية التصرف المطلقة أو المزاج الشخصي، بل يشير إلى عملية انتقاء تستند إلى مجموعة من المعايير الموضوعية المحددة سلفاً، بحيث يصبح الضابط الذي يستوفيها جميعاً هو «الاختيار» الطبيعي والمؤسسي.

غير أن هذا المفهوم كثيراً ما يُفرَّغ في الواقع من مضمونه الحقيقي. فالاختيار المؤسسي يتحول تدريجياً إلى اختيار شخصي للقائد أو صاحب القرار. وما كان يفترض أن يكون عملية انتقاء مبنية على معايير محددة سلفاً يصبح في كثير من الحالات تعبيراً عن تفضيل فردي تحكمه الاعتبارات الذاتية الملازمة للطبيعة البشرية. وهكذا يتحول مفهوم تنظيمي وُضع لضمان الإنصاف إلى أداة للسلطة التقديرية، وتفقد القاعدة القانونية تدريجياً وظيفتها الأصلية.

ويمثل هذا الخلط بين سلطة القرار والسلطة التقديرية أحد أبرز العوامل التي تضعف ثقة أفراد المؤسسة في مؤسستهم. فعندما يلاحظ الضابط أن المعايير المعلنة رسمياً لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي عند اتخاذ القرارات، فإنه لا يشكك في قرار بعينه فحسب، بل يبدأ تدريجياً في التشكيك في مصداقية المنظومة بأكملها.

ويظهر الأمر ذاته في التعيينات المتعلقة بمناصب القيادة. ففي الجيوش المهنية، يُصمَّم المسار الوظيفي للضابط بحيث يمكنه من اكتساب الخبرات والمهارات اللازمة لتولي مسؤوليات متصاعدة الأهمية. وتشكل التنقلات الوظيفية، والقيادات المتعاقبة، والدورات التخصصية، حلقات طبيعية في هذا المسار التصاعدي.

ومن الناحية النظرية، ينبغي أن تُمنح هذه المناصب وفقاً للكفاءة والخبرة ومدى توافق مؤهلات المرشح مع متطلبات الوظيفة. إلا أن الواقع يشير إلى أن عدداً كبيراً من الضباط يشعرون بأنهم حُرموا من مسؤوليات كانت مساراتهم المهنية تؤهلهم لها بصورة مشروعة. كما أن الاعتبارات السياسية، والانتماءات القبلية، والتوازنات الجهوية، والعلاقات الشخصية، والميول الأيديولوجية، ما زالت تشكل عوامل حاسمة تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مثل هذه القرارات.

وتترتب على هذا الوضع آثار سلبية عميقة على أداء المؤسسة العسكرية. فهو أولاً يضعف مبدأ الاستحقاق الذي يشكل الركيزة الأساسية لأي تنظيم هرمي محترف. وهو ثانياً يثبط عزيمة الضباط الأكفأ عندما يكتشفون أن الأداء المتميز والكفاءة العالية لا يكفيان دائماً لضمان التقدم المهني. وهو ثالثاً يعزز ثقافة الولاءات الشخصية على حساب ثقافة الكفاءة والمسؤولية والاستحقاق.

ومع ذلك، فإن التاريخ العسكري يبرهن باستمرار على أن فعالية الجيوش لا تعتمد فقط على جودة نصوصها التنظيمية، بل تعتمد أساساً على التطبيق العادل والمحايد لهذه النصوص. فالمؤسسة العسكرية تستمد جانباً كبيراً من قوتها من ثقة أفرادها في عدالة إجراءاتها. وعندما يقتنع الضابط بأن جهده وكفاءته وتفانيه ستُقدَّر وفق معايير منصفة، يصبح أكثر استعداداً لتحمل أعباء الانضباط وتضحيات المهنة العسكرية. أما عندما تتحول القواعد إلى مجرد أدوات تمنح الشرعية لقرارات تحكمها اعتبارات أخرى، فإن مصداقيتها تبدأ في التآكل تدريجياً.

ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى جودة النصوص، بل بمدى مطابقة الممارسات لها. فقيمة أي تنظيم لا تُقاس بحسن صياغته، وإنما بقدرته على إنتاج آثار ملموسة في الواقع. فالمؤسسة لا تصبح عادلة لمجرد أنها تعلن مبادئ العدالة والإنصاف، وإنما تصبح كذلك عندما تتحول تلك المبادئ إلى مرجعية فعلية تحكم القرارات والسلوكيات.

ويكمن التحدي الأكبر في ردم الفجوة بين الخطاب المؤسسي والواقع المعاش. فطالما ظل الضباط يشعرون بأن مساراتهم المهنية تتأثر بعوامل لا علاقة لها بالاستحقاق والكفاءة، فإن التصريحات الرسمية، مهما بلغت من الإقناع والبلاغة، ستظل معرضة لأن تُفهم باعتبارها وصفاً لجيش نظري أكثر منها وصفاً للجيش كما هو في الواقع.

ولا تستطيع أي مؤسسة عسكرية أن تحافظ على تماسكها وفعاليتها وهيبتها على المدى الطويل إذا فقد أفرادها الثقة في حياد القواعد التي تنظم ترقياتهم ومساراتهم المهنية. فالثروة الحقيقية لأي جيش لا تكمن فقط في معداته أو ميزانياته أو أعداده، وإنما في الثقة التي يضعها أفراده في آليات الاختيار والترقية وتولي المسؤوليات القيادية، وفي يقينهم بان هاذه الآليات تحكمها العدالة قبل أي اعتبار آخر .

 

لبات ولد المعيوف

جنرال متقاعد 

جمعة, 03/07/2026 - 13:28