تعديل قانون الضباط.. بين تنظيم المؤسسة العسكرية وتقييد المجال السياسي

في عرضه لأسباب تقديم مشروع القانون المعدل والمكمل لبعض أحكام القانون رقم:64-130، الصادر بتاريخ :14 يوليو 1964، المحدد للنظام الأساسي لضباط الجيش العامل والاحتياط، أرجع الوزير الأول الحاجة إلى هذا التجديد لما يفرضه "تطور الهيكل التنظيمي للقوات المسلحة الوطنية، وتنوع المهام المسندة لها، ومعتبرا أن مراعاة ذلك الغرض رتبت تضيمن النص على وجه الخصوص:

 

1- توسيع نطاق تطبيق هذا النظام الأساسي ليشمل كافة ضباط القوات المسلحة بما يدعم وحدة المرجعية القانونية. ويعزز الانسجام المؤسسي بين مختلف التشكيلات العسكرية.
2- تعزيز أحكام قانونية خاصة بحالات الهروب من الخدمة.
3- استحداث رتبتين ضمن فئة الضباط الأعلون   تمثيل القوات المسلحة الوطنية في مختلف المحافل العسكرية الإقليمية والدولية.
4- تعزيز الأحكام المتعلقة بواجب التحفظ وحفظ السر المهني بما يعزز حماية المعلومات والبيانات المرتبطة بالدفاع والأمن الوطني، ويصون المصالح العليا للدولة.

 

أولا: بالنسبة للنقطتين الثانية والثالثة جاءت الإضافة في حدود:

- إضافة فقرة:" يفقد الضابط الهارب من الخدمة رتبنه تلقائيا. ويتم الشطب عليه من سجلات حضور الجيش ويقدم ملف شكاية في حقه للعدالة"، كتعزيز للأحكام القانونية الخاصة بحالات الهروب من الخدمة، رغم أن الراجح أن هذه الإجراءات أو بعضها كانت تطبق على الفارين من الخدمة في ظل الوضع السابق.
- استحداث رتبتين ضمن فئة الضباط الأعلون هما: فريق أول وفريق أول جيش، دون معرفة انعكاس ذلك على:" تمثيل القوات المسلحة الوطنية في مختلف المحافل العسكرية الإقليمية والدولية "، ولا على زيادة سن التقاعد لما للزيادتين من تلازم.
المؤكد أن هذا الإجراء سيمكن من الاحتفاظ ببعض الضباط الذين وصلوا أو كادوا سن التقاعد. ما يوفر تفسيرا آخر غير المعلن للتعديل 

 

ثانيا: "توسيع نطاق تطبيق هذا النظام الأساسي ليشمل كافة ضباط القوات المسلحة بما يدعم وحدة المرجعية القانونية. ويعزز الانسجام المؤسسي بين مختلف التشكيلات العسكرية":

 

أبرز مظهر لهذا التوسيع وهذا السعي لتعزيز الانسجام بين مختلف "التشكيلات العسكرية" هو إدماج الحرس الوطني في هذا النظام الخاص بالجيش الوطني ، رغم أن الحرس الوطني غير مشمول بمقتضيات القانون رقم: 64-130، الصادر بتاريخ: 14 يوليو 1964، المحدد للنظام الأساسي لضباط الجيش العامل والاحتياط، و أن القسم الأول من هذا القانون الذي عنوانه:" النظام الأساسي لضباط القوات المسلحة العاملين" حصر مجال تطبيقه بشكل صريح عندما اعتبر أنه:" يُطبق هذا النظام الأساسي على الضباط العاملين الحاصلين على أحد رتب الجيش الوطني (البري، الجوي، البحري والدرك)
أيضا، الحرس الوطني خارج مجال تطبيق "النظام الأساسي للجيش العامل والاحتياط" من واقع مقتضيات الأمر القانوني رقم :80-174، بتاريخ: 22 يوليو 1980، الذي ألغى وحل محل القانون:63-018، بتاريخ: 18 يناير 1963، المتضمن للتنظيم والقانون الأساسي للحرس الوطني، فهو وإن عد الحرس:" قوة مسلحة" (المادة الأولى) ، إلا أنه قد أخضعه لمقتضيات خاصة من قبيل ما تضمنته (المادة 03) من أن:" مقتضيات النظام العام للوظيفة العمومية تطبق على أفراد الحرس الوطني في كل ما لا يتناقض مع تلك المتضمنة في المرسوم المحدد للنظام الأساسي الخاص بهذا القطاع"
مع ذلك نجد مشروع التعديل على سبيل المثال في العنوان (1) داخل (المادة 19 /جديدة) «تراتبه ضباط القوات المسلحة الوطنية "يقحم الحرس الوطني، فيعد في الفقرة (أ) ضباطه ضمن الضباط من الإطار العام من القوات المسلحة الوطنية (الجيش البري والجيش الجوي والبحرية والدرك والحرس الوطني)، ويعتمد المقابلة بين الوزير المكلف بالدفاع المعني في ما يتعلق بإصدار جداول التعداد بالنسبة للجيش، ووزير الداخلية بالنسبة للحرس الوطني بنفس الخصوص...
عمليا لا سبيل للجمع بين ضباط الجيش والحرس الوطني في نص تنظيمي واحد إلا إذ عمد إلى:
-إصدار نظام بدمجهما
-أن يقصد النص ويتبنى عنوانا وموضوعا جامعا في مجال بعينه (الالتزامات المقررة على ضباط الجيش والحرس والشرطة والجمارك والحماية المدنية...)
بغياب أي من ذلك في هذا القانون، تكون فقراته التي تناولت ضباط الحرس خارج السياق وغير منتجة لأثر قانوني بالنسبة لأولئك الضباط، حتى إذا مرر هذا الخرق والتعدي الصريح كان لهم أن ينشدوا:
مـهـلاً فُؤادي لا تَذهب بِك الفِكَرُ
واصـبـر نكائب ما يلقاك من أسفٍ
إن الكرام إذا ما نكبوا صبروا

 

ثالثا: "تعزيز الأحكام المتعلقة بواجب التحفظ وحفظ السر المهني بما يعزز حماية المعلومات والبيانات المرتبطة بالدفاع والأمن الوطني، ويصون المصالح العليا للدولة":

 

في سبيل معالجة هذا العنوان تم استحداث (المادة 46/ مكررة) مع إضافاتها، وحول مضمونها ثار النقاش بخصوص ما حملت من أحكام عنيت بواجب التحفظ وحفظ السر المهني، وهو ما يفترض أن لا يكون محل إثارة بحكم سريان مقتضيات مماثلة بالنسبة لكل شاغل وظيفة عامة، حيث يكون محل حجر -فى حدود معينة -بالنسبة للتعبير عن رأيه، وملزما بحفظ ما اطلع عليه بحكم وظيفته من معلومات.
في فقرة خارج السياق داخل هذه المادة (الفقرة ب: عن حفظ السر المهني)، ورد في البند الثاني وجوب الامتناع عن:
- ممارسة نشاط سياسي؛
- توزيع مطبوعات أو منشورات أو وثائق ذات طابع سياسي؛ 
- التوقيع على عرائض ذات طابع سياسي؛
- جمع أموال لأغراض سياسية، أو المشاركة في جمعها.
خروج تلك الفقرة عن السياق مرده أنه: 
-بين "التحفظ " المتعلق بالحجر على التعبير عن الرأي، و"حفظ السر المهني" المنصرف إلى القيد على تقديم المعلومة، تبدو المفردات السابقة من الناحية المضامينية أولى بالانتماء للفقرة (أ) المتعلقة "بالتحفظ" منه "لحفظ السر المهني" الفقرة (ب)، فكلها تحجر على التعبير عن الرأي السياسي ولا علاقة لها بتداول المعلومات. 
-أن "تعزيز حماية المعلومات والبيانات المرتبطة بالدفاع والأمن الوطني" لا يمر بالضرورة بإقصاء من مر بالعسكرية من ممارسة السياسة. أما كون ذلك "يصون المصالح العليا للدولة" فمسألة فيها نظر.
حتى لو كان الهدف الحقيقي من وراء هذا التعديل هو فعلا الوصول لتلك الغاية، فقد بدا النص مترددا ومراوغا؛ فعمليا في نص (المادة 46 رابعا) ما يفي بالغرض ويزيد، فماذا بعد:" تطبق أحكام المادة 46 مكررة-كلا لا بعضا- من هذا القانون بأثر فوري على الضباط الأعلون الموجودين في وضعية الاحتياط –بمرحلتيه-مهما كان تاريخ قبولهم في هذه الوضعية وعلى كافة الفئات من الضباط المسرحين أو المشطوب عليهم من الخدمة (ضباط أعوان وضباط سامون وضباط أعلون)، مهما كان تاريخ تسريحهم أو الشطب عليهم"
منع ممارسة السياسة لا يرتب منع ترشح الضباط الأعلون لرئاسة الجمهورية:
ليس بقانون عادي يمنع على هؤلاء الترشح لرئاسة الجمهورية؛ فالدستور نفسه تولى تحديد أهلية الانتخاب لرئاسة الجمهورية وشروط الترشح لها، أو عهد بها للقانون النظامي المتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية، وهي مبينة فيهما على نحو تام وجلي:
-في الدستور: حيث تنص (المادة 26/جديدة) على أنه:" لكل مواطن مولود موريتانيا يتمتع بحقوقه السياسية ولا يقل عمره عن أربعين (40) سنة ولا يزيد عن خمس وسبعين (75) سنة بتاريخ الشوط الأول من الانتخابات مؤهل لأن ينتخب رئيسا للجمهورية."
-الأمر القانوني 91-027 بتاريخ: 07 أكتوبر 1991، المتضمن القانون النظامي المتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية، المعدل، في (المادة 3/جديدة) منه على:" يعتبر مؤهلا لأن ينتخب في رئاسة الجمهورية كل مواطن ولد موريتانيا يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية ولا يقل عمره عن 40 سنة ولا يزيد على 75 سنة في تاريخ الشوط الأول من الانتخابات."
أما الشروط فحصرتها (المادة 5/جديدة) في شرطين: تزكية مائة مستشار بلدي، وإيداع كفالة بقيمة خمسة ملايين أوقية:
" لا يقبل الترشح لرئاسة الجمهورية إلا بعد الحصول على تزكية مائة (100) مستشار بلدي على الأقل من بينهم خمسة (5) عمد.
ويجب أن يكون هؤلاء المستشارون ينتمون لأكثرية الولايات. كما لا يمكن لأي منتخب أن يزكي أكثر من ترشح واحد.
تكون التزكيات بواسطة وثيقة مصدقة ولا يمكن بأي حال من الأحوال سحبها بعد إيداعها.
يتعين على كل مترشح لرئاسة الجمهورية إيداع كفالة مالية قدرها خمسة ملايين (5.000.000) أوقية لدى الخزينة العامة."

 

آثار جانبية:

-التخلي عن اعتماد الموضوعية فى تقدم الضباط الأعلون:
فقبل التعديل تم التنصيص فى (المادة 20) بخصوص تقدم الضباط الأعلون أنه:" يكون التقدم بالاختيار حصريا، ويتم بعد الإدراج على لائحة التقدم السنوية ووفق الشروط التي سيتم تحديدها بمرسوم."
ليتغير الأمر مع نص (المادة 20/جديدة) من مشروع التعديل إلى إخضاع تقدم الضباط الأعلون لإرادة رئيس الجمهورية: " يكون التقدم بالاختيار حصريا ويتم: - 
بموجب مرسوم من رئيس الجمهورية، بالنسبة للضباط الأعلون، دون اشتراط إدراجهم على لائحة التقدم السنوية."
مع الإبقاء على إخضاع من هم دون ذلك من الضباط للمسطرة العادية
"بموجب مرسوم من رئيس الجمهورية بعد الإدراج على لائحة التقدم السنوية، بالنسبة لباقي فئات الضباط."

 

-المعنى الجديد للتقاعد:
بحسب (المادة 22/جديدة) من قانون رقم: 2009 -012، الصادر بتاريخ: 29 يناير 2009، المعدل للقانون رقم: 64-130، النافذة قبل مشروع التعديل المعروض على الجمعية الوطنية ينقسم الضباط الأعلون إلى ثلاث فصائل هي: 
-فصيلة الخدمة العاملة

 

-فصيلة الاحتياط
-فصيلة التقاعد: وتضم الضباط الجنرالات الذين تم قبولهم للاستفادة من حقهم في التقاعد طبقا للشروط المحددة في قانون المعاشات. ويتم القبول فيها بصورة تلقائية بالنسبة للضباط الجنرالات الذين قضوا خمس سنوات في فصيلة الاحتياط. أو بناء على طلب شخصي. كما ويكون مراعاة لظرف صحي، أو كإجراء تأديببي.
جد مع المشروع أن حمل نص (المادة 22/جديدة) بالنسبة للتقاعد:
-جعل الإحالة إلى فصيلة التقاعد فى حكم الإجراء العقابي، ليس فقط بحكم الحالات المبررة لها، والتي باستثناء الطلب الشخصي هي نتيجة إجراء تأديبي. بل لما يترتب عليها من شطب على المعني من فصيلة الخدمة العاملة أو فصيلة

 

الاحتياط.
-الإلغاء القسري لما تقدم من تقاعد وبشكل فوري بمجرد إصدار القانون، بحيث "يتم بحكم القانون إدماج الضباط الأعلون الموجودين حاليا في فصيلة التقاعد ضمن فصيلة (الاحتياط الثاني)". مع العلم أن هذه الفصيلة لا وجود لها قبل التعديل نفسه، وأن علافتهم بالمؤسسة قد أنبتت في ما عدا المتعلق بالمعاشات المترتبة جزاء خدمتهم.
مع هذا المعنى يترتب:
-خرق مبدأ عدم رجعية القانون بما يصاحب ذلك من مساس بحقوق مكتسبة لمن خرجوا من مرحلة الاحتياط.
- طرح إشكالات سيتعذر تجاوزها، ليس أقلها وضعية رئيس الجمهورية الممارس ورئيس الجمعية الوطنية، في ظل نص (المادة 22/جديدة ) على أنه:" يعاد، بحكم القانون ،إدماج الضباط الاعلون الموجودين حاليا في فصيلة التقاعد ضمن فصيلة الاحتياط(الاحتياط الثاني)، وذلك اعتبارا من تاريخ صدور هذا القانون".
يبقى أن غلق باب مصعد الوصول للسلطة لا يعنى بالضرورة الاستكانة لذلك القدر القانوني الواهن خصوصا ممن اعتادوا الوصول بطرق أخري. 
الأضرار التي لحقت بالديمقراطية الموريتانية جراء ممارسات ممتهني السياسة من المدنيين لا تقارن بما تسبب به أفراد من المؤسسة العسكرية تصرفوا غالبا بتوجيه من أولئك المدنيين أو بمشاركتهم، لذلك سيكون من المناسب جدا أن يعمد لاستصدار قانون بالحجر السياسي يخصص للمدنيين.

ثلاثاء, 30/06/2026 - 13:59