
«لقد حان الوقت لوضع حدّ للأعمال المناهضة للوطن التي يقوم بها المدعو بيرام الداه اعبيد»، هكذا كتب، قبل أيام، المسمى السيد ولد الغيلاني. وقد عرض فكرته بحماس، بلغة فرنسية رصينة. وفي مقاله، يهاجم السيد ولد الغيلاني بيرام الداه اعبيد بلا هوادة، لكنه، لتسهيل مهمته، يعمد إلى عزله عن جماعته وبيئته وسياقه.
ويبدو أن السيد ولد الغيلاني، وهو قانونيٌّ كما يُقال، استند في مقاله إلى الاعتصام الأخير الذي نظمته نائبتان منتميتان إلى تيار «إيرا» داخل مقر البرلمان.
غير أن هذا القانوني، الذي تحول في المناسبة إلى محلل سياسي، لا يقدم أي اقتراح عملي أو ملموس لـ«وضع حد لتحركات» بيرام. فهو يكتفي بالتعبير عن استيائه مما يعتبره اعتداءً على الديمقراطية الموريتانية، التي يصورها وكأنها ديمقراطية لا تشوبها شائبة. أما اقتراحه الوحيد، فيتمثل في المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق، يبدو أن هدفها الأساسي هو معاقبة النائبتين اللتين تعرضتا بالفعل لحملة تشويه من طرف أوساط تتسم بالنزعة الشوفينية والتفوقية.
وكما يقول المثل: «إذا أردت قتل كلبك فاتهمه بالسعار.» وفي الصيد أيضاً، فإن أول ما يفعله الصياد لتسهيل الانقضاض على فريسته هو عزلها عن جماعتها أو قطيعها.
إن السيد ولد الغيلاني يعلم جيداً أن السلطات التي يوجه إليها خطابه ليست بحاجة إلى من يذكرها بحجم الحضور السياسي الذي يمثله بيرام الداه اعبيد. فكم مرة تعرض للسجن والتعذيب والحرمان في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز؟ ومع ذلك، لم يمنعه شيء من دخول البرلمان، مكبّل اليدين بعد أن اختاره آلاف الناخبين ممثلاً لهم.
كما لا يمكن للسيد ولد الغيلاني أن يتجاهل النتائج المشرفة التي حققها بيرام في مختلف الاستحقاقات الانتخابية، وخاصة الانتخابات الرئاسية، والتي اعترفت بها السلطات نفسها. فشخصية بهذه المكانة تستحق الاحترام، حتى من أولئك الذين لا يتفقون معها في كل شيء. وهذا، على الأقل، هو موقفي منه.
إن الإجراءات القمعية لم تكن يوماً حلاً دائماً لقضية عميقة مثل القضية الحراطينية. فما يقوله اليوم بعض المقربين من السلطة عن بيرام، سبق أن قيل بالأمس عن قادة آخرين من الاتجاه نفسه. وأستحضر هنا بيجل ولد هميد قبل التحاقه بالسلطة إثر موقفه من الإضراب العام الذي دعا إليه اتحاد العمال الموريتانيين سنة 1991، كما أستحضر مسعود ولد بلخير قبل تحالفه مع الثنائي الانتخابي عزيز–سيد ولد الشيخ عبدالله خلال المرحلة الانتقالية بين عامي 2005 و2007. بل إن التاريخ والجغرافيا يقدمان آلاف الأمثلة المشابهة.
إن حركة «الحر» بالأمس، ومثيلتها اليوم «إيرا»، لم تتوقف عن نشاطها النضالي برحيل هذا القائد أو ذاك، لأن الحركات تستمر ما دامت الأسباب التي أوجدتها لا تزال قائمة.
كان الأجدر بالسيد ولد الغيلاني أن يستلهم مثلاً آخر، أكثر مناسبة وهو: «قطع العشب من تحت أقدام الخصم.» فهذه هي السياسة الناجعة حقاً. فالسياسيون الأكثر حنكة لا يسعون إلى التخلص من الناطقين بالمطالب، وإنما إلى إزالة الأسباب التي منحتهم تلك المكانة.
ويقدم تاريخ بلادنا أكثر من مثال على ذلك.
ففي خمسينيات القرن الماضي، اضطرت فرنسا الاستعمارية إلى منح استقلالات سياسية شكلية لمستعمراتها السابقة في إفريقيا الغربية، ومنها موريتانيا. ولم يكن ذلك كرماً منها، بل لأنها لم تعد قادرة على مواجهة تصاعد الحركات الاستقلالية، بعد أن حمل بعضها السلاح، كما في فيتنام والجزائر والكاميرون، بينما كان البعض الآخر يستعد لذلك. وقد شكلت تلك الاستقلالات، رغم محدوديتها، مكسباً سياسياً كبيراً أدى إلى إضعاف الحركات الأكثر تشدداً لصالح قوى أقرب إلى السلطات الاستعمارية.
وتكرر المشهد نفسه في مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين اضطر نظام الرئيس المختار ولد داداه، تحت ضغط نضال الحركة الوطنية الديمقراطية (MND)، إلى الاستجابة لأبرز مطالبها السيادية، ومنها مراجعة اتفاقيات التعاون مع فرنسا، وإنشاء الأوقية، وتأميم شركة «ميفيرما»، وإصلاح التعليم.
حينها وجدت الحركة الوطنية الديمقراطية نفسها مضطرة إلى الترحيب بهذه الخطوات، لأن معارضتها كانت ستخدم، موضوعياً، مصالح فرنسا في صراعها مع موريتانيا. وكان أحمد ولد محمد صالح، وزير الداخلية الصارم آنذاك، يتحدث عن ضرورة «نزع هذه الهراوة» («عصا العلبة») في وثيقة سرية موجهة إلى تهدئة أولئك الذين ظلوا متعلقين بـ«الأم فرنسا».
وهكذا، وجدت الحركة الوطنية الديمقراطية نفسها، هي الأخرى، أمام حكم التاريخ؛ فقد خسرت الساحة التي بنت عليها قوتها النضالية، لكن موريتانيا هي التي ربحت، وذلك هو الأهم.
لذلك، فمن العبث الاعتقاد بأن القضية الحراطينية ستُحل بمجرد «وضع حد لتحركات» بيرام الداه اعبيد. فما دامت هذه القضية تُدار بطريقة خاطئة، وما دام الحكم يواصل ارتكاب الأخطاء نفسها، فإن شخصيات جديدة ستظهر حتماً لحمل المطالب ذاتها.
واليوم، تقف موريتانيا عند مفترق طرق. وهي بحاجة إلى مبادرة قوية، بحجم «عصا موسى»، تفتح أمامها طريقاً جديداً.
فليدرك الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه. ولعل مؤتمره الصحفي المقبل يكون مناسبة يفاجئ فيها الموريتانيين بإجراءات جريئة تفتح آفاقاً واضحة وعادلة ومطمئنة للمستقبل.
إن الرهان الحقيقي، ونظراً إلى إلحاح الظرف، يتمثل في اتخاذ قرارات سياسية شجاعة خصوصا فى مجال مكافحة الفساد وقضية لحراطين والارث الانسانى، ويفضل أن يكون ذلك دون انتظار الحوار الذي طال الإعلان عنه وتأجل مراراً، وذلك لمعالجة الأسباب العميقة للأزمة بدل الاكتفاء بملاحقة مظاهرها. وبهذا وحده تستطيع موريتانيا أن تحول أزمة متكررة إلى فرصة تاريخية للمصالحة الوطنية.
أحمد سالم المختار – شداد



.jpeg)

.jpeg)