
في تسعينيات القرن الماضي، برز مفهوم القوة الناعمة (Soft Power) مع صدور كتاب جوزيف ناي Bound to Lead: The Changing Nature of American Power (ملزمون بالقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية). وقدّم ناي تصورًا جديدًا لممارسة النفوذ يقوم على الجاذبية والإقناع والتأثير الثقافي والدبلوماسي، بوصفه بديلًا عن القوة الصلبة القائمة على الحروب والإكراه ومختلف مظاهر العنف.
ولم يكن هذا التحول الفكري سوى استجابة طبيعية لتجارب دول دفعت أثمانًا باهظة للحروب، فأدركت أن النفوذ المستدام لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل ببناء الصورة والشرعية والقدرة على الإقناع.
في السياق الموريتاني، يمكن الحديث - على سبيل المجاز - عن ظاهرة مغايرة يمكن تسميتها ب"التسول الناعم"، وهي آلية تطورت عبر الزمن، مستفيدة من هشاشة البنى الاقتصادية والاجتماعية، ومن قابلية بعض الفاعلين المحليين والدوليين لتمويل المشاريع التنموية والإنسانية.
لقد أصبحت الدولة، في مراحل معينة، إحدى أهم أدوات هذا "التسول الناعم"، حين استثمرت انفتاح المؤسسات المالية الدولية على دولة فتية تبحث عن التمويل. وتشير وثائق وأرشيفات بعض الوزارات إلى أن تسعينيات القرن الماضي شهدت إعداد دراسات لمشاريع لم ترَ النور، أو جرى تضخيم معطياتها بغرض الحصول على التمويل، كما قُدمت، في بعض الحالات، مؤشرات غير دقيقة حول نسب النمو والتمدرس وغيرها من البيانات التنموية، وهي ممارسات دفعت المؤسسات المانحة لاحقًا إلى تشديد آليات التقييم والرقابة مع مطلع الألفية الثالثة.
ولا تزال بعض المشاريع تُطرح بالعناوين نفسها، مثل كهربة المدن وتزويدها بالمياه الصالحة للشرب، رغم أن أثرها ظل محدودًا على مستوى البنية التحتية. وقد لفت هذا التناقض انتباه أول سفير للمملكة المتحدة في موريتانيا، عندما قال، في معرض حديثه عن واقع التنمية: "كنت، وأنا في طريقي إلى مكتبي، أتساءل كل يوم: أين ذهبت تلك الأموال التي جُمعت باسم البنية التحتية؟".
بمرور الوقت، لم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على الدولة، بل انتقلت إلى المجتمع، واتخذت أشكالًا أكثر تعقيدًا، الأمر الذي يستدعي دراسة سوسيولوجية مستقلة لفهم أسبابها ودوافعها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية.
فبعد أن كان التسول التقليدي يتركز عند أبواب المساجد والأسواق وبعض الفضاءات العامة، وغالبًا ما يقترن بالعنف اللفظي عند تقديم مبالغ زهيدة، شهدت الظاهرة تحولًا نوعيًا في أدواتها وخطابها. فقد أصبح التسول الناعم جزءًا من المحتوى اليومي على منصات التواصل الاجتماعي، وتبنته شخصيات مؤثرة ودعاة ومشاهير، مستخدمين تقنيات تسويقية عالية التأثير تستند إلى استثارة العاطفة أكثر من تقديم المعلومات.
يكمن الخطر هنا في استغلال المرضى الذين هم في أوضاع إنسانية قاسية، وأحيانًا إعادة نشر مقاطع لأشخاص متوفين أو استخدام صور ومشاهد مضللة لاستدرار التعاطف وجمع الأموال، وهي ممارسات تثير إشكالات قانونية وأخلاقية عميقة.
بالتوازي مع ذلك، شهدت البلاد توسعًا ملحوظًا في عدد الجمعيات والمنظمات الخيرية، وتزايد الخطاب الوعظي المرتبط بالصدقة والإحسان، مع تركيز واضح على النساء، خاصة في الأوساط الريفية والأحياء الشعبية، بما جعل العمل الخيري - في بعض الحالات - يتحول من نشاط تضامني إلى اقتصاد قائم بذاته، يدر مليارات الأوقية خارج أي إطار ضريبي أو رقابي.
تكشف دراسة ميدانية أجريتها سنة 2019 حول اقتصاد التسول الناعم، أن نسبة معتبرة ممن تحسنت أوضاعهم الاقتصادية، رغم عدم ممارستهم وظائف مصنفة أو أنشطة إنتاجية واضحة، كانوا ينشطون في المجال الحقوقي أو العمل الخيري. ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، تعميم الحكم على جميع الفاعلين في هذين المجالين، وإنما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول إمكانية استغلال بعض الواجهات الحقوقية أو الخيرية كغطاء لتدفقات مالية لا تخضع دائمًا للشفافية أو للرقابة الضريبية.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها قد تؤدي إلى نشوء اقتصاد ريعي قائم على استثمار المعاناة الإنسانية، حيث تتحول الهشاشة الاجتماعية إلى مورد اقتصادي دائم، وتصبح المصلحة مرتبطة باستمرار الأزمات بدلًا من معالجتها.
الدولة الموريتانية مطالبة اليوم بتطوير مقاربات غير تقليدية لمعالجة هذه الظاهرة، تقوم على تعزيز الشفافية، وإخضاع التدفقات المالية للرقابة، وتنظيم العمل الخيري والحقوقي دون المساس بحريته أو برسالته الإنسانية. فترك هذا القطاع خارج أي إطار للمساءلة قد يفتح الباب أمام التهرب الضريبي، وربما تبييض الأموال، وقد يفضي مستقبلًا إلى ظهور شبكات نفوذ اقتصادي واجتماعي تستخدم المال والتأثير لحماية مصالحها وامتيازاتها.
إن التسول الناعم لم يعد مجرد سلوك فردي، بل أصبح - في بعض تجلياته - ظاهرة تستحق أن تُدرس بوصفها اقتصادًا موازيًا، وآلية لإعادة إنتاج الريع، بل وأحد التحولات السوسيو اقتصادية التي تستوجب مقاربة علمية تشاركية هادئة، تأخذ في الاعتبار كل الإكراهات التي قد تعيق رقابة الدولة على نشاط بهذا الحجم.
د. أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)