اتفاق مدريد بعد خمسين سنة: وثيقة انتهت وبقي النزاع فى الصحراء الغربية

في مثل هذا اليوم، الجمعة 14 نوفمبر 1975، قبل خمسين سنة بالضبط، وقّعت إسبانيا والمغرب وموريتانيا في مدريد ما سُمّي حينها "إعلان المبادئ بشأن الصحراء الغربية". وثيقة قصيرة، مؤقتة في صياغتها، لكنها شكّلت مفترق طرق حاسم في تاريخ المنطقة. 

خمسون سنة مضت، تبدّلت خلالها الجغرافيا السياسية، وتغيّرت الخرائط والتحالفات، لكن أثر الاتفاق ظلّ حاضرًا بوصفه لحظة ولّدت نزاعًا لم يخمد، أكثر مما صنعت حلًا قابلًا للحياة.

 

وثيقة غامضة صنعت واقعًا معقّدًا

 

لم يكن إعلان مدريد معاهدة حدود ولا اتفاق سيادة، بل تسوية انتقالية بين قوة استعمارية تتأهب للانسحاب ودولتين جارتين تسعيان لملء الفراغ. جاء النص بصياغة عامة، بلا آليات تنفيذ ولا شفافية ولا إشراك لسكّان الإقليم. ومع ذلك، رتّب واقعًا جديدًا على الأرض: دخول المغرب وموريتانيا إلى الصحراء، وانسحاب إسبانيا من دون تسوية نهائية لحق تقرير المصير.

هذا الغموض هو الذي سمح للاتفاق بأن يتحول لاحقًا إلى وثيقة متنازع في معناها وأثرها: المغرب يقرأ فيها تفويضًا بالسيادة، فيما ترى جبهة البوليساريو والأمم المتحدة أنها لا تنقل أي سيادة لأنها لم تكن ملكًا لإسبانيا أصلًا.

 

انسحاب موريتانيا: سقوط ركن من أركان الاتفاق

 

بعد أربع سنوات من القتال والاستنزاف والضغوط الداخلية، وقّعت موريتانيا اتفاق الجزائر في 1979 معلنة انسحابها من وادي الذهب وتخليها النهائي عن أي مطالبة بالإقليم. كان ذلك معنىً قانونيًا وسياسيًا بالغ الأهمية: أحد أطراف اتفاق مدريد الرئيسيين ألغى، من جانبه، جزءًا أساسيًا من الالتزامات التي تضمّنها الاتفاق.

منذ تلك اللحظة، أصبح إعلان مدريد — من الناحية العملية — نصف اتفاق. أما من الناحية القانونية، فقد ازدادت هشاشته، إذ لا تستقيم حجّية اتفاق ثلاثي وقد تلاشى أحد أركانه الأساسية.

 

الأمم المتحدة: اتفاق بلا قوة ملزمة

 

منذ البداية، لم تعامل الأمم المتحدة إعلان مدريد كاتفاق لنقل السيادة. سجّلته كسند بين دول، لكنها لم تعتبره مرجعًا قانونيًا لتغيير الوضع الدولي للصحراء. بقيت المنطقة مصنّفة “إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي”، وإسبانيا — رغم انسحابها — بقيت “القوة المديرة بحكم القانون” وفق القانون الدولي.

معنى ذلك أن مرور نصف قرن لم يزد الاتفاق إلا هامشية في ميزان الشرعية الدولية.

 

خمسون سنة من النزاع: واقع يتجاوز وثيقة قصيرة

 

ما يفسر استمرار البعد الرمزي لاتفاق مدريد هو أنه مثّل لحظة الفراغ الكبرى: انسحاب سريع غير مكتمل، توزيع إداري ملتبس، غياب آليات لتقرير المصير، وانزلاق المنطقة إلى صراع مسلح امتد لعقود.

لقد كان الاتفاق، في جوهره، ترتيبًا استعجاليًا أكثر منه مشروعًا للتسوية، ولذلك كان عمر أثره السياسي أقصر من عمر النزاع نفسه.

 

خلال العقود التالية، تغيّرت موريتانيا، وتغيّر المغرب، وتغيّرت المنطقة، لكن النزاع ظلّ ثابتًا، لا لأن اتفاق مدريد كان قويًا، بل لأنه كان ضعيفًا بما يكفي ليترك الباب مفتوحًا أمام كل التأويلات.

 

بعد خمسين عامًا..

 

اليوم، يقف الاتفاق بوصفه صفحة من التاريخ أكثر منه وثيقة ذات حجّية.

- قانونيًا: لا ينقل سيادة، وغير معترف به كأساس لأي وضع نهائي للإقليم.

- سياسيًا: أصبح جزءًا من سردية تاريخية، تستخدمه الأطراف لا كمرجعية قانونية بل كأداة خطابية.

- استراتيجيًا: أثبت أن الحلول الانتقالية الغامضة تخلّف أزمات طويلة الأمد أكثر مما تُنهيها.

 

بعد نصف قرن، تظل الحقيقة الأبرز أن اتفاق مدريد مات… لكن النزاع الذي وُلِد في ظله ما يزال حيًا، ينتظر تسوية قانونية وسياسية تتجاوز الوثيقة وتواجه جوهر المشكلة: تحديد الوضع النهائي للإقليم عبر آلية متفق عليها، يشارك فيها الصحراويون بصورة لا لبس فيها.

جمعة, 14/11/2025 - 12:33