ملف الإرث الإنساني: هل تستطيع موريتانيا طيّ الصفحة من دون كشف الحقيقة؟

عاد النقاش حول إلغاء قانون العفو الصادر سنة 1993 ليحتل صدارة السجال السياسي والحقوقي في موريتانيا، في لحظة تتقاطع فيها التحولات الوطنية مع اتساع دائرة المطالب بإغلاق ملف الإرث الإنساني بشكل عادل ونهائي.

ورغم أن الجدل حول هذا القانون ليس جديدًا، فإن المناخ الحالي يعيد طرحه بحدة أكبر، ويكشف حجم التراكمات التي خلّفتها مرحلة مظلمة من تاريخ البلاد.

 

إلغاء العفو… هل يهدد الدولة أم يرمّمها؟

 

أكثر ما يلفت في هذا النقاش هو حجم الخلط الذي يحيط به. فهناك من يرى في إلغاء القانون تهديدًا للدولة أو مساسًا بمكوّنات بعينها، بينما تُظهر التجارب المقارنة أن المحاسبة لا تستهدف المؤسسات، بل الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات، وأن مواجهة الحقيقة هي خطوة نحو دولة أقوى لا دولة مهددة.

 

إن أي جماعة وطنية — عربية كانت أم زنجية، قبلية أو جهوية — لا ينبغي أن تتماهى مع مرتكبي الانتهاكات مهما كانت صفاتهم أو رتبهم. فالجريمة لا تمثل جماعة، ولا تُحسب على مكوّن، بل يتحمّلها فاعلوها فقط.

 

بين مسؤولية الدولة وضباب الفهم العام

 

الواقع أن إلغاء قانون العفو لا يعني — بأي حال — استهداف الجيش الوطني، المؤسسة التي تبقى في وجدان الموريتانيين رمز السيادة والوحدة.

فالمطلوب هو مساءلة أفراد محددين، وتمكين الدولة من الاعتراف بمسؤولياتها وطلب الصفح، وهي خطوة من شأنها تعزيز مكانتها الأخلاقية وتكريس ثقة المواطنين.

 

لكن الخطر الحقيقي يكمن في الخلط المتعمّد أو غير المتعمد بين الجيش كمؤسسة جامعة، وبين بضعة ضباط أو جنود تورّطوا في انتهاكات خلال أحداث 1989–1991. هذا الخلط هو الذي يغذي التوتر ويشوّش على المطلب الحقوقي المشروع.

 

هل حاولت الدولة سابقًا؟

 

يحفظ التاريخ أن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز حاول — ولو شكليًا — الاقتراب من الملف بخطاب اعتذار غير مكتمل، وبحلّ مالي لمساحات ضيقة من المظالم، شمل عددًا محدودًا من الأرامل واليتامى.

لكن تلك المحاولة بقيت براغماتية، غير قائمة على اعتراف حقيقي أو مسار عدالة انتقالية، وأدارتها — للمفارقة — بعض النخب العسكرية الزنجية من المنطقة التي عانت أصلًا من الانتهاكات، الأمر الذي أفرغ المسار من معناه.

 

جوهر الأزمة: وحدة وطنية منخورة

 

منذ التسعينيات، ظلت تداعيات أحداث تلك الفترة تنخر الوحدة الوطنية وتلقي بظلالها على الثقة بين المكوّنات.

ولعلّ أخطر ما كرّسته تلك المرحلة هو الشعور بأن الدولة تختار النسيان بدل الحقيقة، وبأن بعض الملفات تُترك عمداً خارج التداول السياسي.

 

إن فتح النقاش حول إلغاء قانون العفو ليس إثارة للماضي، بل ضرورة لبناء مستقبل مستقر؛ لأن دولة تتصالح مع آلامها قادرة على التقدّم بثقة أكبر.

 

اللحظة الراهنة — بما فيها من دعوات للحوار — قد تشكّل فرصة تاريخية لإنهاء هذا الملف.

فالعدالة هنا ليست انتقامًا، وليست تصفية حسابات، بل مسار وطني لإعادة ترميم الثقة، وتثبيت المساواة، وتأسيس عهد سياسي جديد يفصل بين الانتماء الوطني وبين الجريمة الفردية.

 

إغلاق ملف الإرث الإنساني بشكل عادل وصريح قد يكون الحلقة المفقودة في بناء وحدة وطنية راسخة، وشرطًا ضروريًا لإنهاء عقود من سوء الفهم والتوجس المتبادل.

خميس, 13/11/2025 - 21:44