
تتجدد هذه الأيام مشاهد الحرائق في المراعي فى ولايتي الحوض الغربي ولعصابة، حيث تلتهم النيران مساحات واسعة من الغطاء النباتي مخلّفة خسائر بيئية ورعوية جسيمة. هذه الحوادث، التي أصبحت شبه موسمية في شرق البلاد، أعادت إلى الواجهة تقرير محكمة الحسابات للسنوات 2019–2021، الذي وجّه انتقادات حادة إلى وزارة البيئة والتنمية المستدامة بسبب ما وصفه بـ«الاختلالات العميقة» في تنفيذ برنامج الوقاية من حرائق الغابات والمراعي.
فبين واقع الحرائق المتكررة اليوم، وما كشفه التقرير من تجاوزات مالية وفنية بالأمس، يبدو أن الخلل في التخطيط والرقابة البيئية لا يزال يترك أثره الملموس على الميدان، في وقت تتزايد فيه التحديات المناخية والضغوط الرعوية التي تهدد استدامة الموارد الطبيعية في موريتانيا
كشف تقرير محكمة الحسابات للسنوات 2019–2021 عن اختلالات مالية وفنية خطيرة في تنفيذ برنامج الطرق الواقية من الحرائق الذي تشرف عليه وزارة البيئة والتنمية المستدامة بالشراكة مع الشركة الوطنية للأشغال الزراعية والاستصلاح (SNAAT).
وأشار التقرير إلى أن هذا البرنامج، الذي يعد أحد أهم أدوات الدولة للحد من حرائق الغابات والمراعي، عرف تجاوزات كبيرة في التخطيط والتنفيذ والرقابة، رغم تخصيص غلاف مالي ضخم بلغ 662 مليونًا و222 ألفًا و70 أوقية جديدة.
تقليص الشبكة دون مبرر فني
أكدت محكمة الحسابات أن وزارة البيئة لم تلتزم بالبرنامج التعاقدي المبرم مع الشركة المنفذة، حيث تم تقليص طول شبكة الطرق الواقية من نحو ألفي كيلومتر سنة 2020 إلى أقل من 800 كيلومتر سنة 2021 بعد إلغاء ما يزيد على 1172 كيلومترًا من الأشغال دون أي تقييم فني يبرر القرار.
وأظهرت عمليات المسح الميداني أن العديد من الطرق غير موجودة فعليًا على الأرض رغم صرف الاعتمادات الخاصة بها، وهو ما يشير إلى خلل واضح في المتابعة والتنفيذ.
نفقات ضخمة بلا تقارير فنية
بيّن التقرير أن مكون “الطرق الواقية من الحرائق” نُفّذ في إطار عقد برنامج إطاري بين الوزارة وشركة SNAAT بإشراف مديرية الحماية واستعادة الأنواع والأوساط.
وخلال فترة الرقابة بلغت قيمة الأشغال الخاصة بهذه الطرق 662 مليون أوقية جديدة، لكن هذه المبالغ صُرفت من دون تقارير فنية ميدانية حقيقية أو محاضر استلام رسمية، في مخالفة صريحة لمقتضيات مدونة الصفقات العمومية.
فروقات كبيرة بين المخطط والمنجز
وسجل التقرير فروقات كبيرة بين الأطوال المقررة في العقود والأشغال المنجزة فعليًا في الميدان.
ففي ولاية لبراكنة مثلًا، كان من المقرر إنجاز طريق واقٍ من الحرائق بين الغوسجلاي والعزلات بطول سبعةٍ وعشرين كيلومترًا، غير أن المنفذ فعليًا لم يتجاوز عشرين كيلومترًا.
وفي مسار الزغلانة – تاجوكل، تم إنجاز خمسةٍ وعشرين كيلومترًا بدلًا من سبعةٍ وعشرين.
أما طريق آكويده – لمبغرط عبر جلاي فبلغ أربعةً وعشرين كيلومترًا بدل اثنين وثلاثين، فيما اقتصر تنفيذ طريق امبربص – امباجان على اثنين وعشرين كيلومترًا من أصل ثلاثين.
كما لم يُنفذ طريق امباجان – جلوار إطلاقًا، في حين أن مقطع باوده – الكيلومتر السادس لم يتجاوز تسعة عشر كيلومترًا رغم تحديده في العقود بسبعةٍ وعشرين كيلومترًا.
واعتبرت المحكمة هذه الفوارق دليلاً على غياب المتابعة التقنية وضعف الرقابة الميدانية، مؤكدة أنه لم تُسجَّل أي محاضر استلام أو تقارير تقييم تؤكد مطابقة الأشغال للمواصفات التعاقدية.
غياب المسح المسبق وضعف التوثيق
لاحظت المحكمة أن الوزارة لم تقم بمسح شامل للطرق الواقية من الحرائق قبل توقيع العقود، مما أدى إلى تقديرات غير دقيقة للأطوال والتكاليف.
كما غابت التقارير الشهرية المفروضة على الشركة المنفذة، ولم يقدم أي توثيق فني يثبت كمية الأعمال المنجزة أو جودة التنفيذ.
تجاوزات مالية وتنظيمية
أشار التقرير إلى أن الوزارة عدّلت بعض مكونات العقد دون استشارة قانونية أو مصادقة من لجان الصفقات المختصة، في مخالفة للمادتين 32 و61 من مدونة الصفقات العمومية.
كما نُفذت أشغال إضافية خارج النطاق التعاقدي بقيمة تجاوزت سبعين مليون أوقية جديدة من دون سند فني أو مبرر إداري.
واعتبرت المحكمة هذه الممارسات إخلالًا بمبادئ الشفافية والمنافسة في تسيير المال العام، وأوصت بمساءلة المسؤولين عن المتابعة الفنية للبرنامج.
خلاصة التقرير
خلصت محكمة الحسابات إلى أن ما تم رصده من تجاوزات واختلالات يعكس ضعفًا هيكليًا في منظومة التسيير البيئي وغيابًا لمعايير التقييم والرقابة المستقلة في قطاع بالغ الحساسية كالبيئة والغابات.
وحذرت من أن استمرار هذا الوضع يهدد الثروة النباتية والرعوية في البلاد ويفقد السياسات البيئية الحكومية مصداقيتها وجدواها.



.jpeg)

.jpeg)