
بات واضحاً أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو فقدجزءاً كبيراً من استقلاليته في اتخاذ القرار لصالح الرئيس الامريكي دونالد ترامب، نتيجة تهوّره وتهور شركائه الحكوميينالأكثر تطرفاً، ما تسبب في تسونامي سياسي ضرب إسرائيل،عزلها دولياً مما أثار قلقاً بالغاً لدى دهاقنة الصهيونية وخصوصاً اولئك الممسكين بزمام القرار في واشنطن, مما دفع الرئيس ترامبإلى التدخل لإنقاذ اسرائيل سياسياً بعد المأزق العميق الذي وضعت نفسها فيه عسكرياً وسياسياً ودولياً واخلاقياً وقانونياً وذلك قيامه بزيارة لتل أبيب والقائه خطاباً في الكنيست وفي محاولة لاعادة تسويق اسرائيل دولياً وإعادة تلميع صورتها التي تضررتبشدة منذ حربها على غزة أواخرعام 2023 ثم تقديمه خطته لوقفإطلاق النار في قطاع غزة وعقد صفقة لاطلاق الاسرى مع حركة حماس التي مازالت تمتلك اكثر من 60% من انفاقها واكثر من 20 الف مقاتل حسب تصريحات وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس، ومن ثم تنظيم مؤتمر شرم الشيخ لاعادة اسرائيل الى الخريطة السياسية الاقليمية من خلال الترويج لخطته وابراز اسرائيل انها طرفها الاعلى.
بكل هذه الخطوات الحاسمة في انقاذه لاسرائيل من مأزقها انتزعترامب نفوذاً إضافياً على القرار الإسرائيلي، حتى بات واضحاً أنه قادرٌ على توجيه سياساتها العسكرية والسياسية, وظهر ذلك جلياً في تراجع نتنياهو المفاجئ عن دعم القراءة التمهيدية في الكنيستلمشروع قانون ضم الضفة الغربية، بعد أن كان ضمّها حجر الزاويةفي حملته الانتخابية وتحالفه مع المتطرفين بن غفير وسموترتش, كمااوعز لنتنياهو بإجبار سموترتش على الاعتذار للمملكة العربية السعودية بعد 24 ساعة فقط من تصريحاته المسيئة لها في سابقةنادرة في السياسة الإسرائيلية.
الاخطر مما سبق المقابلة التاريخية للرئيس ترامب مع مجلة تايمالامريكية، بتاريخ 23 أكتوبر الجاري، كشفت بوضوح عمق نفوذالرئيس الأمريكي على مفاصل الحياة السياسية والعسكرية فيإسرائيل, وقد جاءت تصريحاته لتؤكد أنه مستعد لاستخدام هذاالنفوذ في إعادة صياغة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بما يخدممشروعاً سياسياً جديداً في المنطقة.
وفي السياق ذاته, فقد علّق نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانسالاسبوع الماضي خلال زيارته الأخيرة لتل أبيب على تصويتالكنيست التمهيدي بشأن الضفة الغربية قائلاً: "انني اشعر بالاهانة", وتزامن ذلك مع تصريح لترامب واضح وغير مسبوق لرئيس امريكي اسرائيل ستفقد الدعم الأمريكي إذا أقدمت علىالضم"، وهذا التهديدالحاسم هزّ أركان الحكومة الإسرائيلية ودفعنتنياهو للتبرؤ فوراً من هذا التصويت الذي كان بامكانه منعه بكل اريحية لو ارادا ذلك حقيقة لامتلاكه الأغلبية في الكنيست.
هذا وفي هذا السياق, صرح ترامب في المقابلة ذاتها أنه يتوقعانضمام المملكة العربية السعودية لاتفاقيات إبراهام، وهو تصريحبالغ الأهمية لأنه يفتح الباب أمام تحوّل استراتيجي في المنطقة.
ترامب يدرك تماماً الشروط السعودية الثابتة للسير في هذا الطريق:قيام دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية،حلّ قضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية، معاملة السعوديةكحليف مكافئ لأعضاء الناتو، وتخصيب اليورانيوم على اراضيهاوحصولها على اي أسلحة تحتاجها بغض النظر عن تطورها او حداثتها او نوعيتها دون قيود.
ترامب يعلم أن هذه الشروط غير قابلة للتنازل، ويعلم أن مكانةالمملكة السياسية والدينية والاقتصادية تمكّنها من فرض إرادتهاعلى الساحة الدولية، وخاصة في القضايا العربية والإسلامية وفيمقدمتها القضية الفلسطينية والقدس والأقصى, في المقابل،يدرك جيداً أن إسرائيل تمرّ بأضعف مراحلها وتحتاج بشدة إلى دعمه،ما يجعل امكانية فرض اي شروط عليها ممكناً أكثر من أي وقتمضى.
كذلك أكثر ما أثار الانتباه في حديث ترامب للتايم هو تصريحهالمفاجئ بأنه يدرس إطلاق سراح مروان البرغوثي.
إذا تحقق ذلك، فسيكون مؤشراً بالغ الدلالة على جدية ترامب فيحلّ القضية الفلسطينية، فالبرغوثي يحظى بإجماع وطنيفلسطيني نادر ويُنظر إليه كقائد للمرحلة المقبلة، مرحلة ما بعدالحرب على غزة.
إطلاق سراح البرغوثي سيشكّل حدثاً تاريخياً موازياً لخروجنيلسون مانديلا من السجن، وسيمنح خطة ترامب زخماً سياسياًكبيراً نحو تأسيس دولة فلسطينية حقيقية.
هذا ومن المرجح أن نتنياهو لن يجرؤ على معارضة هذا القرار فيظل اعتماده الكامل على دعم ترامب، الذي صرّح أيضاً بأنه "لايرى أن الرئيس محمود عباس سيتولى قيادة غزة بعد الحرب" وهذا سياسياً يعني تهيئة المشهد لوجوه ودماء جديدة واستبعاد الرئيس عباس وفريقه من اي دور مستقبلاً سواءاً أكان في غزة او ما بعد غزة, وعلى الارجح ان تصريحه بشأن البرغوثي يأتي في هذا السياق.
اخر الكلام:
ان السلوك الإسرائيلي الإجرامي في قطاع غزة، وتجاهله لقراراتالأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، تسبب في عزلة خانقةلإسرائيل والولايات المتحدة معاً كما اشرنا سابقاً.
تحت ضغط شعوبها، اضطرت عدة دول غربية كفرنسا وبريطانياوكندا وأستراليا إلى الاعتراف بدولة فلسطين على حدود 1967، مازاد من إحراج واشنطن أمام العالم.
أما في الداخل الأمريكي، فقد أدت فظائع الحرب في غزة إلىانقلاب غير مسبوق في الرأي العام:
- 59٪ من الأمريكيين يؤيدون اعتراف واشنطن بدولة فلسطينية.
- 80٪ من الديمقراطيين و41٪ من الجمهوريين يدعمون هذاالاعتراف.
كما شهدت الساحة السياسية الأمريكية تحولاً كبيراً تمثل فيابتعاد نحو 40٪ من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين عن منظمةإيباك، وإعادة بعضهم لتبرعاتها، وهو تطور لم تشهده الحياةالسياسية الأمريكية منذ تأسيس اللوبي الإسرائيلي.
تصريح ترامب... رصاصة الرحمة على مشروع إسرائيل الكبرى
تصريح ترامب لمجلة تايم بتهديده وقف الدعم لإسرائيل في حالضمّ الضفة الغربية يشكّل نقطة تحول تاريخية، ويعدّ إعلان فشلذريع لمسيرة نتنياهو السياسية الممتدة منذ اتفاق أوسلو، والتيكرّسها بالكامل لعرقلة قيام دولة فلسطينية.
لقد سعى نتنياهو وبن غفير وسموترتش لتحقيق حلم "إسرائيلالكبرى" وابتلاع ما تبقى من فلسطين وربما أجزاء من دول الجوار،لكن غرورهم وغطرستهم دفعت ترامب نفسه, أكثر الرؤساءالأمريكيين تأييداً لإسرائيل, إلى قلب الطاولة عليهم.
فبتصريحه هذا، دفن ترامب حلم إسرائيل الكبرى وأحيا فكرة دولةفلسطين، التي يرى مراقبون أنها اليوم أقرب من أي وقت مضى.
هذا من جهة, ومن جهة اخرى, قبل أيام فقط، أهان بن غفير الأسيرمروان البرغوثي في معتقله، وها هو ترامب اليوم يكرّم البرغوثيرمزاً للمرحلة المقبلة ويهين بن غفير وسموترتش ونتنياهو سياسياً.
لقد وجّه ترامب الضربة القاضية لأحلام اليمين الإسرائيليالمتطرف، وأعاد إلى الحياة الأمل بدولة فلسطينية مستقلة.
تشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية إلى أن تحالف نتنياهو سيفقدأغلبيته، وأن أكثر من 52٪ من الإسرائيليين يرون أنه لم يعد صالحاًللحكم، ما يعني أن مستقبله السياسي إلى زوال, وتشير هذه الاستطلاعات الى ان بن غفير وسموترتش لن يتمكن اي منهما من اجتياز نسبة الحسم, اي انهما سيخرجان من الحياة السياسية تماماً, اما مروان البرغوثي، فالمستقبل له, رمزاً للتحرر الفلسطيني, وينظر له انه ياسر عرفات جديد.
لله درّك يا غزة، دفعتِ ثمناً باهظاً لتحقيق هذه المعجزات.
د. سمير الددا
[email protected]



.jpeg)

.jpeg)