
يشهد ساحل العاج، على غرار عدد من بلدان إفريقيا الغربية، لحظة تحوّل حاسمة وخطيرة ، تتقاطع فيها حسابات متعددة فالواقع الاجتماعي والثقافي يتغير بسرعة، وتتغير معه مواقع النفوذ وتنهار الامتيازات التي صمدت طويلاً في ظل المظلة الفرنسية.
و في قلب هذا التحول، يبرز قلق موريتاني متزايد، يعيشه آلاف التجار الذين بنوا حياتهم ومصالحهم في هذه البلدان منذ أكثر من قرن من الزمن، وأصبحوا اليوم أمام واقع مختلف يحمل أدوات تغيير البنية بشكل كامل.
لقد كان التاجر الموريتاني على مدى النصف الثاني من القرن العشرين كله جزءًا من المشهد الاقتصادي اليومي في غرب افريقيا من دكار وكولخ وبانجول الى ابيدجان و غيرها. عرفه الناس في الأسواق الشعبية، وفي تجارة التقسيط والمواد الاستهلاكية البسيطة، وفي حين كان نظيره اللبناني يقدّم السلع الفاخرة للبورجوازية ويدير متاجر النخبة، كان الموريتاني يخاطب جمهور الناس، يعيش بينهم، ويعرف تفاصيل حياتهم، يتكلم لهجاتهم ويحضر افراحهم ويواسي اتراحهم؛ كانا مختلفين وان كانت البنية الاقتصادية العامة تجمعهما ، وهي بنية يغيب فيها في الغالب المواطن الأصلي كما هو معروف.
والواقع ان وجودهما التجاري لم يكن ممكنًا لولا الإطار العام الذي وفرته المنظومة الاستعمارية الفرنسية وما تبعها من نظام قانوني وأمني مكّن الأجانب من العمل والازدهار داخل اقتصاد ضخم توحد في ظل الفرنك الغرب افريقي ، وهو الى جانب ذلك اقتصاد موجه ومراقب من باريس..وبالتالي فهو آمن الى حد بعيد.
غير أن الفرق الجوهري بين الموريتاني واللبناني لا يكمن في حجم وشكل النشاط أو مستوى النفوذ فقط، بل أيضا في طبيعة الارتباط التاريخي بالمكان،
فالتاجر اللبناني هو على نحو ما "رجل أبيض" أي أنه غريب على افريقيا، وتاريخيا، كما هو معروف كان يتحرك حيث يتحرك المستعمر، يتبع خطاه، ويؤسس تجارته حيث بسط الفرنسيون سلطانهم، حتى قيل إن اللبنانيين كانوا «الظلّ الاقتصادي» للاستعمار في افريقيا.
أما الموريتاني، فقد سار في دروب أقدم من ذلك بكثير؛ دروب رسمها الدعاة والعلماء وتجار القوافل منذ قرون؛ أي أن انتقاله جنوبًا كان استمرارًا لمسار ثقافي وروحي سابق على الاستعمار، لا طارئًا عليه، ولهذا فإن وجوده في ساحل العاج أو في غيره يحمل بعدًا إفريقيًا أصيلًا ينبغي أن يدركه كل التجار وان يتحركوا اليوم على هديه مبتعدين عن المنظومات التي تنهار الآن والتي يراها السكان امتدادًا للمنظومة الفرنسية الاقتصادية التقليدية.
فاليوم، ومع صعود التيار البان-إفريقي الذي يطالب باستعادة السيادة الاقتصادية وإبعاد النفوذ الفرنسي، يجد التجار الموريتانيون أنفسهم في موقع حساس، لا يحسدون عليه، فمن جهة، يشعر كثيرون منهم بأن هذا التيار يهدد استقرارهم ومصالحهم، وهذا بلا شك غير صحيح، إن روح هذا التحول ليست معادية للموريتانيين في أصلها، بل موجهة ضد المنظومة التقليدية التي حمتهم دون أن يكونوا في الواقع جزءا أصيلا منها، وهذا هو جوهر القلق وعدم الارتياح القائم .
وفي ظني أن الموريتانيين في ساحل العاج يجب أن يبدؤوا في التصرف باتجاه تعريف جديد لموقعهم في المنظومة الجديدة، يجب أن ينحازوا إلى المنظومة البان إفريقية الصاعدة فهي تيار جارف لن يتوقف حتى يحقق أغلب غاياته.
ولعل مستقبلهم يكمن في إعادة توجيه استثماراتهم نحو مجالات إنتاجية تتصل بالبنية التحتية، كالطرق والطاقة والبناء، بدل التجارة الاستهلاكية التقليدية؛ فهكذا فقط يمكنهم أن يتأقلموا مع زمن جديد، يتشكل على أنقاض الاستعمار القديم، تحت شعارٍ لم يعد ممكنًا تجاهله: إفريقيا للأفارقة.



.jpeg)

.jpeg)