خطة ترامب… هل هي قارب نجاة لنتنياهو وفخ لحماس أم وصفة لسرقة اراضي غزة وبحرها وغازها

لم يكن ما جرى في البيت الأبيض يوم الإثنين 29 سبتمبر مفاجئاً بقدر ما كان صادماً؛ إذ كشف عن مدى التأثير الذي يملكه رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب, فالخطة التي أُعلن عنها الاخير تحت لافتة “السلام” بدت في حقيقتها قارب نجاة لنتنياهو الذي يخوض معركة داخلية شرسة من اجل البقاء السياسي تجنباً لدخوله السجن بتهم فساد ورشوة وخيانة الامانة، ومحاولة لمدّ إسرائيل بأوكسجين سياسي ودبلوماسي بعد عزلة غير مسبوقة جرّاء حربها المدمرة على قطاع غزة.

وفي هذا السياق, الإعلامي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون، وهو من أبرز وجوه تيار “ماجا” قاعدة ترامب الانتخابية والمؤيد تقليدياً لإسرائيل، فجّر تصريحاً جريئاً الى حد كبير قال فيه "إن نتنياهو طالما تباهى في جلساته الخاصة بأنه يسيطر على الإدارة الأمريكية وبل يستخدم ذلك لتهديد الآخرين" وكان كارلسون قد اشار في تصريح سابق الى ملفات جفري ابستين وتورط شخصيات امريكية على المستويات وقيام الموساد الاسرائيلي الذي يمتلك تسجيلات مصورة لهذه الشخصيات في اوضاع فاضحة مع اطفال قصر بابتزازهم واجبارهم على الخضوع, وخطورة هذه التسجيلات لا يقتصر على الجانب الاخلاقي بل الاشد خطورة هو الجانب القانوني اذ انه اذا تم تسريب هذه التسجيلات يمكن استخدامها كدليل ادانة بارتكاب جرائم اغتصاب اطفال, وهذه جرائم جنائية خطيرة في القانون الامريكي قد تصل عقوبة بعضها الى السجن مدى الحياةوهذا اخشى ما تخشاه الشخصيات المتورطة وتذعن صاغرة لابتزاز نتنياهو وهذا ما سبق أن اشار اليه كارلسون والذي ذهب أبعد من ذلك، فوصف في لقاء تلفزيوني مساء الاربعاء 1 اكتوبر الجاري "ان فكرة شعب الله المختار هي هرطقة وان الله لا يختار من يقتلون الابرياء والاطفال والنساء" وتابع كارلسون "أن ما تفعله إسرائيل من قتل هؤلاء الأبرياء يناقض ما جاء به الإنجيل وتعاليم المسيح" وتساءل كارلسون "كيف نوافق على شيئ كهذا..؟".
مثل هذا التصريح الغير مسبوق كان قبل نحو عام بمثابة انتحار مهنيلمن يجرؤ عليه، لكنه يعكس اليوم تراجع سطوة فزاعة “معاداة السامية او تهمة الارهاب او خطر على الامن القومي” التي طالما استُخدمت لإسكات أي انتقاد للسياسات الإسرائيلية.

في خضم هذه الأجواء كشف موقع “أكسيوس” الأمريكي أنّ الخطة التي عرضها ترامب على ثمانية قادة عرب ومسلمين على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة اختلفت جذرياً عن الخطة التي أعلنها لاحقاً بجوار نتنياهو, فقد أدخل الأخير ومستشاره رون ديرمر تعديلات واسعة خلال اجتماع مطوّل مع المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهر ترامب جاريد كوشنر، ما أثار غضب عواصم عربية كبرى، فيما طلبت قطر تأجيل الإعلان عن الخطة المعدّلة لكن ترامب تجاهل ذلك وأصرّ على إعلانها.

بهذه الطريقة تحوّلت الخطة إلى خطة ترامب–ديرمر–نتنياهو، صيغت بحيث تضع أفخاخاً قانونية وسياسية يمكن لإسرائيل تفجيرها في أي لحظة. والأدهى أنّ الطرف الفلسطيني، أي حركة حماس، كان غائباً عن المشاورات تماماً، لكنه وُضع أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما القبول بالخطة كما هي أو إبادة من بقي حياً من اهالي قطاع غزة...وهذا فعلاً ما هدد به ترامب الذي يحمي مجرم حرب ومطلوب للمحاكم الدولية ويمكنه من الوقوف امام الجمعية العامة للامم المتحدة ليهدد ويتوعد دول العالم المختلفة الذي لا تتوافق مع جرائمه او التي اعترفت بالدولة الفلسطينية وفي المقابل منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يمد كلتا يديه (وحتى رجليه واذنيه) للسلام وينبذ العنف والمقاومة المسلحة, بل يهنئ الشعب اليهودي بالسنة العبرية من دخول الولايات المتحدة لمخاطبة الامم المتحدة رغم ان ذلك حقاً قانونياً وفقاً لاتفاقية المقر بين الامم المتحدة والدولة المضيفة التي تنص ضمان حرية وصول كل وفود الدول الاعضاء للامم المتحدة الى مقرها بنيويورك بكل حرية وبلا اي معوقات وفلسطين دولة عضو مراقب منذ نحو 13 عاماً ومن المفروض انها تتمتع بهذا الحق......!!!!, يسمح بدخول قاتل ومجرم حرب ويستقبله ويكرمه ويدعمه ويحميه في حين يمنع داعية سلام من مجرد التحدث في محفل دولي....والغريب انه يسعى للحصول على جائزة نوبل للسلام....!!!.

وفي هذا السياق, وزير الدفاع الإسرائيلي إسحق كاتس أطلق تصريحاً بالغ الخطورة حين قال إن “كل من يبقى في مدينة غزة سيُصنَّف إرهابياً أو مؤيداً للإرهاب”، ما يعني – بحكم التهديد – استهداف ما بين نصف مليون وستمئة ألف إنسان، غالبيتهم أطفال ونساء وشيوخ ومرضى غير قادرين على النزوح بسبب كلفته الباهظة التي تتجاوز ثلاثة آلاف دولار وهو مبلغ كبير لا يمتلكه معظم اهالي القطاع, وقد حذّر مفوض الأونروا فيليبو لازاريني من تهديد وزير الحرب الصهيوني بابادة اهالي غزة والذي يعتبره مختصون دليلاً دامغاً على النية على ارتكاب جرائم حرب بما فيها جرائم ابادة جماعية ويجب التحرك برفع الامر للمحكمة الجنائية الدولية لضمه لملف مجرمي الحرب الصهاينة بمن فيهم كاتس وعصابته.

من الواضح أنّ نتنياهو يعوّل على رفض حماس للخطة ليستثمر ذلك في إعادة تأليب الرأي العام الغربي ضد الفلسطينيين، والالتفاف على موجة الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية وما تلاها من دعوات لفرض عقوبات وعزلة سياسية على إسرائيل, رفض الخطة – إذا حدث – قد يُستغل لتبرير استمرار المجازر، في حين أنّ القبول بها بصيغتها الحالية يعني عملياً تجريد المقاومة من سلاحها دون اي مقابل سياسي تقريباً.

أمام هذا المأزق يرى مراقبون أنّ الخيار الأقل كلفة إنسانية هو القبول بتبادل الأسرى وانتهاء الحرب ولكن بضمانات دولية موثوقة، والمطالبة بإطار زمني محدد لانسحاب الاحتلال من القطاع، بالتوازي مع كشف حقيقة التعديلات الإسرائيلية على الخطة الأصلية لفضح ما جرى وكسب دعم الدول العربية التي اطّلعت عليها قبل تحويرها.

الخطة بصيغتها المعلنة لا تعترف بأي سيادة فلسطينية حتى على المستوى الرمزي، ولا تمنح أي دور للسلطة الوطنية، بل تتعامل مع غزة وكأنها منطقة بلا شعب مؤهّل للحكم الذاتي، لتضعها تحت إشراف لجنة أجنبية تضم شخصيات مثيرة للجدل مثل توني بلير وحاخام صهيوني متطرف شديد العداء للاسلام والمسلمين ورجل اعمال مصري قبطي مواقفه مريبة وبالاضافة الى شخصيات تدور حولها الكثير من الشبهات، متجاهلة ما يزخر به الشعب الفلسطيني من كفاءات علمية وإدارية مشهود لها عالمياً.

اخر الكلام:

خطة ترامب ليست مشروع سلام بل عملية إنعاش سياسي لنتنياهو وإسرائيل، هدفها تفريغ موجة الغضب الدولي وقطع الطريق على أي تحرك لعزل تل أبيب أو محاسبتها على جرائم الحرب, وفي الوقت ذاته عبارة عن كمين خطير للمقاومة الفلسطينية لجرها الى خانة الرفض الحرجة. 

لذلك فإنّ مواجهة هذه الخطة تتطلب من الفلسطينيين، ومعهم الداعمين العرب والدوليين، التفكير خارج الصندوق لإيجاد صيغة ابداعية مبتكرة تنقذ المدنيين في غزة من حرب الإبادة، وتحبط في الوقت نفسه المسعى الإسرائيلي لجرّهم إلى فخّ الرفض المطلق الذي يبحث عنه نتنياهو ويسعى جاهداً اليه ليسوقه عالمياً  بهدف الالتفاف على عزلته الدولية.

د. سمير الددا

[email protected]

 

جمعة, 03/10/2025 - 09:07