
شهدت الساحة الدولية الاحد 21 سبتمبر الجاري خطوة تاريخية ارتقبها العالم كثيراً باعلان دول غربية وازنة مثل بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال اعترافهاالرسمي بدولة فلسطين على حدود الرابع من يونيو1967, ويتوقع العالم خطوةمماثلة من قبل فرنسا في بحر الاسبوع الجاري وتحديداً خلال الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للامم المتحدة التي من المقرر ان تبدأ الاثنين 22 سبتمبر الجاري، وهناك تقارير تفيد بأن هناك حوالي 10 دول على الطريق منها اليابان ومالطا والدانمارك ولوكسمبورغ وغيرها.
تأتي قرارات الدول المذكورة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية العتيدة نتيجة لتحول هائل في المزاج العام في داخل هذه الدول على اثر الجرائم المروعة التي ترتكبها اسرائيل في قطاع غزة ورفضها وقف الابادة الجماعية التي تقترفها بحق حوالي 2,3 مليون فلسطيني في القطاع المنكوب الذي دمرته عن بكرة ابيه وقتلت ما يقارب 70 الف من سكانه 80% منهم اطفال ونساء ومسنين بالاضافة الى نحو 200 الف مصاب أكثر من 90% منهم اطفال ونساء وشيوخ وحوالي 35% منهم تشوهات واعاقات دائمة حسب تقارير هيئات ومنظمات دولية مختصة بالاضافة الى تقارير وزارة الصحة الفلسطينية, هذا الاعتراف يمثل تحولاً نوعياً في مواقف هذه الدول من اسرائيل التي لطالما ارتبطت بعلاقات وثيقة معها، كما يثير الكثير من التساؤلات حول أبعاده السياسية والقانونية والعملية، وتأثيره على مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
أولاً: الدلالات السياسية
1. تحول في المزاج الدولي: يعكس هذا الاعتراف ازدياد القناعة الدولية بعدم جدوى استمرار الوضع الراهن وضرورة إيجاد حل سياسي عادل للصراع على اساس الشرعية الدولية, وان الرأي العام الغربي يشهد تحولاً هائلاً نحو التعاطف بشدة مع القضية الفلسطينية, وبات يرفض رفضاَ قاطعاً جرائم اسرائيل وسياساتها الاستيطانية والعنصرية ضد الفلسطينيين ويستنكر بشدة رفضها لحل الدولتين, وان هذه الممارسات الاسرائيلية لم تعد مقبولة على المستوى الدولي, مما يذكرنا بمقولة زعيم حماس الراحل يحي السنوار "بأننا سنحول اسرائيل الى دولة منبوذة", يبدو ان الرجل يستشرف المستقبل.
1. واقع سياسي مختلف: تؤسس هذه الاعترافات لواقع سياسي جديد, اذ لم يعد الحديث عن اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة بأنها أراضي متنازع عليها او ما شابه حسب ما يروج الاحتلال, بل سيكون الحديث عن اراضي دولة فلسطين ذات السيادة (وفقاً لبيان الاعتراف البريطاني) والمحددة بقرارات الامم المتحدة ذات الصلة (خصوصاً قرارات مجلس الأمن 242 و338, 2334).
2. ضغط على إسرائيل: يشكل الاعتراف رسالة واضحة لإسرائيل بأن جرائمها ضد الشعب الفلسطيني مرفوضة ومستهجنة من المجتمع الدولي والغالبية العظمى من قواه الفاعلة
3. تعزيز الموقف الفلسطيني: يمنح الفلسطينيين قوة تفاوضية أكبر في المحافل الدولية ترتكز من الان وصاعداً على اعتراف اربع دول دائمة العضوية في مجلس الامن التابع للامم المتحدة (أهم هيئة دولية)، اضافة الى اكثر من 150 دولة مما يعزز ويدعم شرعيتهم السياسية كشعب يسعى لتقرير مصيره.
4. توازن في السياسات الغربية: يهدف الاعتراف إلى تحقيق نوع من التوازن في المواقف الخارجية في سياسات الدول الغربية التي كانت داعمة لاسرائيل على مدى عقود من الزمن، على اثر الضغط الشعبي الهائل التي تشهده هذه الدول على اثر جرائم الابادة الجماعية المرعبة التي ترتكبها اسرائيل في قطاع غزة.
ثانياً: الدلالات القانونية
1. ترسيخ مبدأ الدولة: الاعتراف بدولة فلسطين على حدود 1967 يعني تثبيت الحق القانوني للفلسطينيين في دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية وفقاً قرارات الامم المتحدة (محكمة العدل الدولية والجمعية العامة ومجلس الامن بما فيها القرارات 242, 338, 2334 وغيرها.
2. سيادة الدولة: بمجرد الاعتراف، تصبح فلسطين كيانًا ذا سيادة في نظر الدولة المُعترِفة، ما يفرض عليها الالتزام بعدم التدخل في شؤونها الداخلية واحترام استقلالها، واحترام حدودها المعترف بها وفقاً لقرارات الشرعية الدولية المشار اليها اعلاه التي استندت اليها هذه الدول لاعلان اعترافها.
3. العلاقات الدبلوماسية والقنصلية: الاعتراف يُلزم الدولة المُعترِفة بفتح قنوات رسمية للتعامل الدبلوماسي، إما عبر إقامة سفارة أو مكتب تمثيل، أو على الأقل تبادل بعثات دبلوماسية وفق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961, مما من شأنه تعزيز التواصل المباشر مع هذه الدول وتسهيل الحصول على دعمها السياسي, كما يلزم هذا الاعتراف الدول المُعترِفة بالدفع نحو مواءمة سياسات الاتحادات والتجمعات السياسية والامنية التي تنتمي لها مع سياساتها ومواقفها مثل الاتحاد الاوروبي او غيره، أو على الأقل عدم معارضة ما يستوجبه الاعتراف بدولة فلسطين.
4. تعزيز مكانة فلسطين في المنظمات الدولية: الاعتراف بدولة فلسطين يعني وجوب التعامل معها كدولة كاملة الحقوق والواجبات بما في ذلك التوقيع أو الانضمام إلى الوكالات الاممية والاتفاقيات الدولية التي ترعاها أو تدعمها الدول المُعترِفة, وضرورة التصويت لصالح ما يؤكد سيادة فلسطين في المحافل الدولية بما يتماشى مع التزامات الاعتراف، بما في ذلك دعم طلب فلسطين الحصول على العضوية الكاملة في الامم المتحدة وعدم الاعتراض اي على قرارات من شأنها المساس بسيادتها.
5. الاعتراف بالقانون الدولي الإنساني: الاعتراف بفلسطين يلزم الدول المعترفة قانوناً باعتبار الاحتلال الإسرائيلي احتلالًا لأرض دولة معترف بها وذات سيادة، كما يفرض على تلك الدول التعامل مع اسرائيل كدولة معتدية على دولة اخرى معترف بها وذات سيادة وتحتل اراضيها ويحب التعامل معها على هذا الاساس بما في ذلك ملاحقة الانتهاكات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني واراضيه قانونياً, كما يلزم الدول المعترفة باحترام اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وتطبيقها لحماية المدنيين الفلسطينيين وإلزام اسرائيل بتطبيقها وملاحقتها قانونياً اذا لم تقم بذلك، وعلى الدول المُعترِفة التعاون في هذا الإطار, وضرورة تسهيلها تنفيذ الاجراءات العقابية الصادرة عن المحاكم ذات العلاقة.
6. الامتناع عن دعم سياسات الاحتلال: الدول المُعترِفة تصبح مُلزمة بعدم القيام بأي عمل قد يُفسر على أنه اعتراف بشرعية الاستيطان أو الضم، لأن ذلك يتعارض مع الاعتراف بحدود 1967 وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
ثالثاً: الدلالات العملية
1. الاعتراف من ثلاث دول ضمن مجموعة السبع الكبار، بينها عضوان دائمان في مجلس الأمن (ليصبح جميع الاعضاء الدائمين في مجلس الامن باستثناء الولايات المتحدة معترفون بدولة فلسطين), وهذا تطور مهم جداً له ما بعده في مسيرة الفلسطينيين, إعتراف بهذا الوزن يضع اسرائيل تحت ضغط دولي دائم ومن شأنه تغيير معادلة وشكل نضالالشعب الفلسطيني ضد الكيان المحتل.
2. المساعدات الاقتصادية والتنموية: قد يسهم الاعتراف في توجيه المزيد من الدعم المالي والتنموي لفلسطين بشكل مباشر باعتبارها دولة مستقلة.
3. التحالفات الدولية: يتيح الاعتراف دعم طلب فلسطين الانضمام الى تحالفات عالمية (منظمة شنغهاي, بريكس...الخ).
4. تأثير على المفاوضات: الاعتراف يعيد ترتيب أوراق التفاوض، حيث لا يُنظر إلى الفلسطينيين كطرف "طالب بالاعتراف"، بل كدولة قائمة تسعى لترسيم حدودها وضمان حقوقها.
5. انعكاسات على الداخل الإسرائيلي: يمكن أن يزيد الاعتراف من عزلة إسرائيل ويؤثر على صورتها الدولية، وربما يدفع بعض القوى السياسية الإسرائيلية لمراجعة مواقفها.
اخر الكلام:
رغم ان الاعتراف بدولة فلسطين على حدود 1967 ليس مجرد خطوة رمزية، بل هو إعلان قانوني مُلزِم يترتب عليه احترام سيادة دولة فلسطين، اقامةعلاقات دبلوماسية معها، دعم عضويتها في المنظمات الأممية والمعاهدات الدولية والامتناع عن أي ممارسات تناقض هذا الاعتراف بها, الا أن تأثيرهيبقى رمزياً وقانونياً أكثر من كونه حاسماً في إنهاء الاحتلال على المدى القصير, بسبب غياب إرادة سياسية أمريكية ملزمة لإسرائيل للخضوع للشرعية الدولية، وجود حكومة اسرائيلية فاشية متطرفة تنكر وجود الاخر مما يعني عدم وجود طرف اسرائيلي مؤهل للانخراط في حراك حقيقي من شأنه انهاء دائرة الدم التي تلف المنطقة, بالاضافة الى استمرار ميزان القوى على الأرض لصالحها، كل هذه العوامل وغيرها تقف عقبات أمام ترجمة هذه الاعترافات إلى تغيير فوري في الواقع الفلسطيني, ولكنها عوامل غير ثابتة وفقاً لطبيعة العلاقات الدولية المرتبطة عضوياً بمصالح الدول المتغيرة هي الاخرى.
زخم الاعتراف الدولي المطرد بدولة فلسطين على حدود 1967 يمثل نقطة تحول مهمة في مسيرة الصراع في منطقة الشرق الاوسط، ويعكس تنامي القناعة الدولية بأن الحل العادل والامن والسلام الدائم في هذه المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة, ورغم ما يكتنف هذه الخطوة من تحديات، فإنها تشكل خطوة حيوية ومتقدمة نحو فرض تطبيقحل الدولتين وتكريس دولة فلسطين كعضو فاعل في المجتمع الدولي، سياسياً وقانونياً وعملياً, هناك ما يشي ان هناك ما يلوح في الافق, مثلاُ اعلان كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني اعتراف بلاده بعد ساعات على زيارة للرئيس الامريكي للمملكة المتحدة واجتماعه بستارمر الذي اشار في المؤتمر الصحفي الذي جمعه بالرئيس الامريكي ان هناك مبادرة بخصوص الشرق الاوسط, وايضاً هناك زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو لواشنطن يعقبها زيارة لولي العهد السعودي والرئيس التركي والرئيس المصري والعاهل الاردني ورئيس الاماراتي......يبدو ان هناك ما يطبخ في دهاليز البيت الابيض......اللهم اجعله خيراً.
الاعترافات الدولية الاخيرة والمتوقعة بالدولة الفلسطينية خلقت أجواء متشنجة في تل أبيب, نتنياهو اصبح يهذي ويطلق تصريحات يتهم فيها الدول المعترفة بأنها تكافئ الارهاب وانها تكره اليهود وتعادي السامية وتحدى بكل صفاقة اكثر من 150 دولة تعترف بفلسطين قائلاً انه لن تكون هناك دولة فلسطينية, اما اعضاء حكومته فمنهم من قال بأنه لا يوجد شئ اسمه فلسطين ولا وجود لشعب فلسطيني ومنهم من طالب بضم الضفة الغربية وطرد اهلها الى الاردن واهالي قطاع غزة الى مصر, ومنهم من طالب بتطبيق حكم الاعدام بحق الاسرى الفلسطينيين الموجودين في سجون الاحتلال ومنهم من طالب بتشديد الحصار على قطاع غزة ومنع غذاء والدواء وقطع الماء والكهرباء والانترنت وكافة الاتصالات عنهم.....وغير ذلك من تلك التصريحات المجنونة التي تعكس مدى وقع الاعترافات الدولية بفلسطين على هؤلاء المتطرفين واصطدام احلامهم التوسعية والعنصرية بالواقع الدولي الذي بات ينبذهم كما تنبأ زعيم حماس الراحل يحي السنوار قبل سنوات.
د. سمير الددا



.jpeg)

.jpeg)