
وماذا لو أن أحد أبناء مجتمع البيظان، غدًا، وجَّه نداءً إلى أحفاد العبيد السابقين من السونينكي (كوموس لمّو) أو من الفلان (ماكّوبي)، ودعاهم إلى أن يؤسّس كلٌّ منهم “إثنية” جديدة مستقلة؟ كيف ستكون ردة الفعل؟
السؤال ليس استفزازًا، بل هو مشرط أنثروبولوجي يشقّ طريقة عمل مجتمعاتنا في تحويل ذاكرة العبودية إلى حجة لبناء هوية إثنية.
فالذاكرة، حين تتحوّل إلى إثنية، تكون معرضة للانفصال عن التجربة المعيشة، لتتحول إلى أسطورة فاصلة. وعندها لا يصبح الصراع ضد الظلم بقدر ما يصبح تكريسًا للتشظي.
فهل نقبل، غدًا، أن تتحول كل ذاكرة مؤلمة إلى إثنية جديدة؟ يومًا لأحفاد العبيد السونينكي، وغدًا للفلان، ولمَ لا بعد غد للولوف؟
تُبيّن الإتنولوجيا المقارنة أن منطق التقسيم، متى بدأ، لا يعرف نهاية: كل جرح، كل وصمة، كل إهانة، تصبح أساسًا للتمايز. وهكذا تتحوّل العدالة، التي دُعيت في البداية، إلى تكرارٍ لحدود جديدة، حيث لا يختفي الظلم بل يُعاد إنتاجه إلى ما لا نهاية.
ولنذهب أبعد في الفرضية: ماذا لو، بدل عزل كل ذاكرة على حدة، قررنا جمع كل الأرقاء المعتَـقين — سواء كانوا من البيظان أو الفلان أو السونينكي — في إثنية جديدة مركّبة، بثلاث لغات (الحسانية، البولارية، السونينكية)، وذاكرة مشتركة للعبودية، وإرادة موحَّدة للكرامة؟
ستكون مثل هذه “إثنية الأرقاء المعتَـقين” مجرد سخرية، إذ ستُظهر عبثية منطق يستبدل فئات جديدة بتلك التي يدّعي إلغاءها. نُخيَّل أننا كسرنا القيود، بينما نحن لم نفعل سوى إعادة ترتيبها في صياغة تصنيفية جديدة.
فالسؤال الحقيقي ليس: “من نحن؟” بل “ماذا نريد أن نصبح معًا؟”
إن الاعتراف بالآلام ضروري، لكن تحويلها إلى حدود إثنية هو طريق مسدود. فلو تحولت كل ندبة إلى “إثنية”، فلن نبني جسدًا اجتماعيًا موحَّدًا، بل أرخبيلًا من الجروح.
فلنسمح لأنفسنا، بدل ذلك، بأن نتوحّد لتأسيس دولة عادلة، نحارب معًا ظلم الفئات المهمَّشة، ونطالب بالمساواة في الفرص. فسكان موريتانيا لا يبلغون حتى عدد سكان حي واحد في هونغ كونغ، وبالتالي فإن اجتماعنا أسهل بكثير من انقسامنا



.jpeg)

.jpeg)