المثلث الهش: تصاعد التهديدات الجهادية عند تقاطع موريتانيا ومالي والسنغال

يشهد المثلث الحدودي بين موريتانيا ومالي والسنغال تطورات أمنية مقلقة، بعد أن بات هذا الحيز عرضة لضغوط متنامية من الجماعات الجهادية، وفي مقدمتها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم القاعدة. وقد مثلت الهجمات المنسقة التي استهدفت سبع مواقع للجيش المالي في فاتح يوليو 2025، نقطة تحول في مؤشرات التهديد، خاصة أن إحدى البلدات المستهدفة (ديبولي) لا تبعد سوى 500 متر عن بلدة سنغالية.
تكتسب هذه المنطقة أهمية استراتيجية خاصة، نظرا لاحتضانها لمحوري النقل الإقليميين داكار-باماكو ونواكشوط-باماكو، واللذين يشكلان رئتي التجارة الخارجية لمالي، إضافة إلى احتضانها لمنشآت طاقوية كبرى مثل سدود مانانتالي وفيلو وغوينا، التي تؤمن جزء مهما من حاجيات الكهرباء للدول الثلاث. ويرفع هذا التمركز الحيوي من حساسية أي اختراق أمني أو تعطيل لوجستي محتمل.
في سياق متصل، اتخذت السلطات السنغالية خطوة لافتة تمثلت في فرض حظر ليلي على حركة الدراجات النارية في مقاطعة باكل الحدودية، من 24 يوليو إلى 24 أغسطس، وذلك "لأسباب أمنية"، بحسب مرسوم صادر عن حاكم المقاطعة. ورغم عدم التصريح بطبيعة هذه الأسباب، فإن التوقيت والسياق يشيران إلى ارتباط القرار بالمخاوف المتزايدة من تسلل العناصر المسلحة عبر الحدود ليلا، خصوصا باستخدام الدراجات النارية التي تعد الوسيلة المفضلة للجماعات الجهادية في عمليات التنقل والتمويه.
وتعكس هذه الخطوة السنغالية درجة متقدمة من الحذر الاستباقي، كما أنها تؤشر إلى إدراك متزايد بضرورة تعطيل البنية اللوجستية التي تعتمد عليها الجماعات المسلحة، خاصة عند تخوم الحدود الشرقية. وهي تكمل سلسلة من الإجراءات السنغالية السابقة، من ضمنها تسيير دوريات أمنية منتظمة، وتعزيز التنسيق مع القوات المالية، ومراقبة الأنشطة التجارية والمعدنية غير النظامية في المناطق الحدودية.
من جهة أخرى، يبرز نشاط التعدين غير النظامي كعامل إضافي يؤجج الهشاشة الأمنية في المنطقة؛ إذ أفادت تقارير رسمية بأن السلطات السنغالية فككت خلال عام واحد 66 موقعا للتنقيب غير المرخص، معظمها في مناطق كيدوغو وتامباكوندا، مما يدل على تنامي هذا القطاع خارج إطار الرقابة، وعلى إمكانية تسخيره في تمويل الجماعات المتشددة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر شبكات التهريب العابرة للحدود.
أما على مستوى التنسيق بين الدول الثلاث، فتعتمد المنطقة منذ سنوات على آلية ثلاثية مشتركة، تقوم على تبادل المعلومات وتسيير دوريات متزامنة؛ غير أن معهد الدراسات الأمنية (ISS) أشار مؤخرا إلى أن هذه الآلية باتت غير كافية لمواجهة تطور التهديد، داعيا إلى إدماج دول مجاورة مثل غينيا، وتعزيز منظومات الرصد الجوي والبشري، وربط المجتمعات المحلية ببرامج الإنذار المبكر بشكل أكثر فاعلية.
إن التراكم الكمي والنوعي لهذه المؤشرات، من تصاعد الهجمات قرب التخوم إلى الإجراءات الاحترازية التي بدأت تتخذها دول الجوار، يدل على أن المنطقة لم تعد محمية بحكم الواقع، بل باتت على تماس مباشر مع ديناميكيات التمدد الجهادي في غرب مالي. ورغم أن الأراضي الموريتانية لم تشهد حتى الآن أي اختراق مسلح، فإن خط التماس المحاذي لولاية كيديـماغه يستوجب يقظة عالية، نظرا لقربه من مسرح الأحداث وتداخله الديموغرافي والاقتصادي مع المناطق المستهدفة.
في ضوء ما سبق، يمكن القول بأن الأحداث الأخيرة تمثل إنذارا مبكرا على تحول المثلث الحدودي إلى بؤرة محتملة للتصعيد، تتقاطع فيها رهانات الأمن والاقتصاد والتمدد الأيديولوجي، وتفرض على الدول المعنية مراجعة أنماط تدخلها، ليس فقط على الصعيد الأمني بل أيضا من خلال العمل على بناء مناعة محلية تقلص قابلية الاختراق والاستقطاب.

 

ورقة من إعداد مركز اوداغست للدراسات الاقليمية

نواكشوط 

جمعة, 01/08/2025 - 14:01