
مقدمة:
مع بداية الحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل على إيران، وما نتج عنها من تداعيات على المستوى الدولي، وتضرر بلادنا من تأثير إغلاق مضيق هرمز على أسعار الطاقة في العالم، والزيادات الكبيرة التي أقرتها الحكومة الموريتانية على مختلف أنواع المحروقات، بدأت التساؤلات تُطرح حول قطاع المحروقات في بلادنا، والسياسات المنتهجة، والشركات الفاعلة فيه، وكذلك الأسعار التي يتم بها تداول المحروقات، ومدى توافقها مع سعر التكلفة، ودور الدعم الحكومي في موازنة الأسعار.
ففي الاقتصادات الهشة، لا تكون الطاقة مجرد سلعة، بل تتحول إلى عنصر حاسم في الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتسعى الدول إلى توفيرها بأي ثمن، وتبذل الكثير في سبيل ذلك، وخصوصًا عندما تعتمد على استيراد هذه المواد، فتلجأ إلى آليات مختلفة لتوفير احتياجاتها، وبالطرق السهلة إن وجدت.
لكن في حالة بلادنا يوجد احتكار تام لاستيراد المحروقات من طرف شركة آداكس Addax التي تنتمي إلى شبكة شركات تقودها Oryx Energies، وهي بدورها جزء من مجموعة استثمارية دولية. وهذا الارتباط يمنحها قوة مالية ولوجستية كبيرة، مدعومة بخطوط تمويل من بنوك ومؤسسات تمويل دولية.
لكن ما يميز نموذج Addax في موريتانيا هو أنه يتجاوز التجارة التقليدية. فالشركة لا تكتفي بشراء الوقود وإعادة بيعه، بل تتحكم في كامل السلسلة: الشراء من الأسواق العالمية، والنقل البحري، والتخزين. وهذا التكامل يمنحها قدرة استثنائية على فرض شروطها، ويجعلها شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة.
ولذلك فجميع المحاولات التي قامت بها إدارات في الدولة لتغيير عقد آداكس أو إدخال بعض المنافسة في القطاع باءت بالفشل، نتيجة وضعية الشركة، وكذلك نتيجة تغلغلها داخل نسيج السلطة، ودعمها من أطراف وازنة، وهيمنتها على القطاع لفترة تزيد على عشر سنوات. وإن كان بعض الخبراء يرى في ذلك خطرًا على البلد وهشاشة أمام التغيرات الجيوسياسية، فالخبير الموريتاني المعتمد لدى الأمم المتحدة في مجال البيئة والطاقة، إبراهيم تياو، يرى أن الأزمة الحالية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط لم تكن السبب في هشاشة موريتانيا الطاقوية، بل كشفتها بصورة أكثر حدة.
ورأى الخبير الأممي، في مقال له على موقع أقلام، أن اعتماد موريتانيا الكبير على المحروقات المستوردة يجعلها، وبصفة دائمة، ضمن دائرة التأثر بأي اضطراب خارجي في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما سينعكس بشكل سريع على الاقتصاد العام، وأسعار الوقود، وتكاليف المعيشة، بل وعلى حياة المواطن اليومية من خلال انقطاع الكهرباء وإلزامية العودة إلى الفحم والحطب.
وخلص إبراهيم تياو إلى أن الأزمة الحالية يجب أن تدفع موريتانيا إلى تغيير مسارها الطاقوي بشكل جذري، عبر توجيه الدعم المخصص للمحروقات نحو تمويل الانتقال إلى الطاقات المتجددة، والاستفادة من وفرة الشمس والرياح في البلاد، وتوسيع الشبكات الصغيرة والكهرباء الريفية.
وإن كان تغيير السياسة الطاقوية في البلد يبدو بعيد المنال، إلا أن البدء في البحث عن حلول لهذه الأزمة أصبح ملحًّا، مثل بناء مخازن في مختلف مناطق البلد واتباع سياسة الاعتماد على عدة جهات للتوريد، حتى لا تتكرر الأزمات وتظل بدون حلول.
1- البنية التحتية ومسار الإمدادات
تعتمد بلادنا اعتمادًا كاملًا على استيراد المنتجات البترولية لتلبية احتياجاتها المحلية، فهي لا تمتلك مصفاة لتكرير النفط، كما أن بنيتها التحتية لتخزين الوقود تظل محدودة مقارنة بحجم الاستهلاك.
فوفقًا للبيانات المتاحة، ما يقارب 98% من إنتاج الكهرباء يعتمد على محطات حرارية تعمل بالديزل وزيت الوقود الثقيل (الفيول)، مما يعني أن أي اضطراب في سلسلة توريد المحروقات قد يفضي مباشرة إلى عجز في الكهرباء، وانقطاعها، وتوقف الاقتصاد والأنشطة الحيوية.
ويُقدر استهلاك موريتانيا السنوي للوقود بحوالي 1.13 مليون طن، تشمل البنزين والكيروسين وديزل السيارات وزيت الوقود الثقيل (الفيول)، ويتم استيراد هذه الكميات عبر ميناء نواذيبو الذي يعد المنفذ البحري الرئيس لاستقبال شحنات الوقود، إضافة إلى ميناء نواكشوط الذي يستقبل جزءًا من الإمدادات عبر النقل البحري الداخلي (الكابوتاج). وتأتي هذه الشحنات في الغالب من مصافٍ أوروبية، لا سيما الإسبانية منها، حيث تتم عملية التكرير والتخزين قبل الشحن إلى موريتانيا.
ويمكن تلخيص مسار توريد المحروقات الحالي إلى موريتانيا، أي في هذه الفترة التي تتولى فيها شركة آداكس الاستيراد، في عدة مراحل متتالية تبدأ من الاستخراج في دول الخليج العربي أو مناطق الإنتاج الأخرى، مرورًا بالتكرير في مصافٍ أوروبية، غالبًا ما تكون في إسبانيا، ثم الشحن البحري إلى مستودعات آداكس في ميناء لاس بالماس، وصولًا إلى الشحن النهائي إلى ميناء نواذيبو.
ويُضاف إلى هذا المسار الطويل سلسلة من التكاليف التي تشمل الشحن البحري الدولي، والتأمين، وكلفة الائتمان المالي، والرسوم الجمركية، وهوامش الربح التي تتراكم في كل مرحلة لتزيد العبء والكلفة على الثمن النهائي. كما تضاف إلى ذلك أثمان مثل ثمن هشاشة السلسلة اللوجستية، وثمن التمويل، وثمن الاحتياط، وثمن إدارة المخاطر، ما يعني أن السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك الموريتاني يتضمن عناصر كثيرة تتجاوز السعر الدولي للنفط، مما يجعله أعلى مما قد يكون عليه في دولة تمتلك بنية تحتية أفضل أو تتعامل مع موردين متعددين، حيث يخلق ذلك منافسة في السعر وتحسينًا في الجودة.
أما سعة التخزين، فقد لخصها رئيس اتحاد أرباب العمل في مؤتمر صحفي قائلًا إن سعة التخزين في نواكشوط وصلت حاليًا إلى 83 ألف طن، مع استمرار العمل على إنشاء سعة إضافية تبلغ 100 ألف طن من المتوقع اكتمالها قبل نهاية العام، وهو ما سيمكن من استقبال السفن وتموينها مباشرة في نواكشوط وتخزين حمولتها محليًا.
وفيما يتعلق بمدينة نواذيبو، أشار إلى أن سعة التخزين كانت في حدود 160 ألف طن، فيما يجري حاليًا تنفيذ أعمال إنشاء وصيانة لسعة إضافية تبلغ 90 ألف طن، ليرتفع إجمالي سعة التخزين في المدينة إلى نحو 250 ألف طن.
وكل هذا مع ملاحظة أن الآجال في المشاريع غير محترمة في بلادنا، خصوصًا أن مشروع بناء الخزانات قد فازت به آداكس بعد مناقصة تم تداول أخبار عن تغيير بعض الشروط فيها حتى تتمكن آداكس من المشاركة.
2- مسار العقد ومسؤوليات الأطراف
في هذه الفقرة سنرجع إلى ما كتبه الأستاذ والوزير السابق سيد أحمد ولد أبوه بتاريخ 1 فبراير 2022، والمنشور في موقع البيان، وقد لخص هذا المسار بطريقة فنية وعلمية جميلة، حيث يقول:
يتم التعاقد مع المزود عبر مناقصة دولية تشرف عليها اللجنة الوطنية للمحروقات، ويتم توقيع العقود الانفرادية من طرف اسنيم وصوملك وتازيازت وMCM وتجمع الصيد والمسوقين الخصوصيين (علامات محطات الوقود التي تنتشر في البلاد). وتتولى اسنيم، بحكم حجم استهلاكها، رئاسة الفريق، حيث تُحرَّر الضمانات المالية الخاصة بالوفاء بالعقد باسمها. ولشركة اسنيم، كما لغيرها من أعضاء الفريق، حق المطالبة بتعويضات بعنوان غرامات التأخير، كما لها ولغيرها أن تُفعِّل الضمانات البنكية الموجودة بحوزتها لضمان حصولها على دفع غرامات التأخير، والتي كانت تصل في العقود السابقة إلى مائة ألف دولار عن كل يوم تأخير.
ولحساسية هذه المادة وارتباطها بمختلف مفاصل الحياة والاقتصاد، تتولى الدولة، عبر وزارة البترول والطاقة والمعادن (المديرية العامة للمحروقات)، متابعة تنفيذ هذا العقد، والمتابعة اليومية لتطور المخزون الاحتياطي، والذي لا يمكن أن يقل عن 42 ألف طن بالنسبة للوقود الثقيل، و80 ألف طن بالنسبة للمازوت.
ويُعد السوق الموريتاني، الذي يقل حجمه بثلاث مرات عن أسواق السنغال أو مالي، سوقًا يفرض عددًا كبيرًا من دورات التوريد (rotations) بسبب محدودية قدرات التخزين، وهو ما يؤدي إلى تقييد هوامش أرباح الممونين (traders).
فعلى الرغم من الإعلان عن سعة تخزين تبلغ 400 ألف طن، تشير مصادر قريبة من مجموعة Oryx إلى أن القدرة الفعلية لا تتجاوز 120 ألف طن.
وقد توقفت العديد من شركات التداول الكبرى من الصف الأول، مثل: Vitol وGlencore وكذلك Gunvor، عن المشاركة في طلبات العروض الخاصة بالبلاد.
ويقول أحد الخبراء في هذا الملف:
“إنه عقد عالي المخاطر. فكل عام يتم توسيع الخطوط الحمراء قليلًا. ومع تعدد المتدخلين، يصبح من الصعب التوصل إلى توافق بين الجميع. وسيكون على الدولة يومًا ما إعادة هيكلة هذا النظام بالكامل، وإلا فلن ترغب أي شركة في تقديم عرض.”
أما عن النظام التجاري للعقد ومسؤوليات أطرافه:
فقد تمكن المزود في يوليو 2020 من تعبئة قرض بـ200 مليون دولار من تجمع مقرضين، من ضمنهم مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، ويقودهم Société Générale، قصد الوفاء بالتزاماته تجاه السوق الموريتاني.
ويلتزم المزود بضمان توفر شحنات كافية في موريتانيا للاستهلاك حسب المعدل اليومي، على أساس تقديرات الفترة السابقة المضمنة بملحق العقد، وذلك دون المساس بالمخزون الاحتياطي الذي تتابع الدولة وضعيته بشكل مستمر. كما يلتزم المزود بتلبية أي طلبية من أحد المتعاقدين، على أن يفي هذا الأخير بالتزاماته المالية بفتح اعتماد مستندي (crédit documentaire) عبر أحد البنوك الموريتانية، أو التحويل المباشر بالنسبة لاسنيم وللمتعاقدين الأجانب (تازيازت وغيرها) لتوفرهم على سيولة من العملة الصعبة في حساباتهم الدولية.
ولضمان جودة الشحنات ومطابقتها للمواصفات الدولية المضمنة بدفتر الالتزامات، تتولى الدولة، عبر شركة SOMIR التابعة لوزارة البترول، فحص عينات الشحنات المستلمة والتأكد من مطابقتها قبل الترخيص بتسليمها.
وتبين هذه اللمحة المسار الذي يجب أن تمر به المعاملات بطريقة قانونية، وتنطبق عليها شروط التعاقد، وتنفذ كما يجب، وتلك، لعمري، مسألة فيها نظر.
مقال من 3 أجزاء
محمد سالم الشيخ



.jpeg)

.jpeg)