
في مشهد يُفترض أن يكون عنوانه الصراع من أجل الحريات، فوجئنا بحزب "تواصل"، أبرز مكوّنات المعارضة البرلمانية في موريتانيا، وهو يتبنّى تبرير تعديلات على النظام الداخلي للجمعية الوطنية، تمسّ بجوهر العمل الديمقراطي، وتُقيد صلاحيات النائب بدل أن توسّعها.
أولى المبررات التي قُدّمت أن المشاركة في هذه التعديلات كانت "لمنع الأسوأ" و"تحقيق بعض المكاسب". وهذا منطق اعتدناه في الأدبيات العربية لتبرير تمرير قوانين مشوّهة تحت عنوان "تقليل الضرر". لكنه منطق هش، لا يصمد أمام حقيقة أن مجرد القبول بهذه التعديلات يمنحها شرعية كان الأولى بمعارضة مسؤولة أن تحجبها عنها.
أما تقديم بند "ترسيخ اللغة العربية" كأحد المكاسب، فذلك يُعيد طرح سؤال جوهري: هل اللغة الرسمية للبلاد كانت محل تفاوض؟ أم أن حزب "تواصل" يعتبر أن تثبيت ما هو محسوم دستوريًا نصرًا يُسجَّل له؟ هذا منطق خطير، يوحي باستعداد لقبول المساومة على ثوابت لا ينبغي الاقتراب منها.
ثم جاءت الإشارة إلى تغليظ عقوبة سبّ الدين وكأنها إنجاز. وهنا نُذكّر ببساطة أن المادة 306 من القانون الجنائي الموريتاني تُجرّم سب الدين الإسلامي باعتباره "ردّة" عقوبتها الإعدام. فكيف يصبح الطرد من الجلسات لأسابيع مكسبًا مقابل ذلك؟ إلا إذا كان الهدف تسييس ما هو محسوم شرعًا وقانونًا، وهي منزلقات كان الأولى بحزب محسوب على المرجعية الإسلامية أن يتفاداها.
وما قيل عن تسهيل تشكيل لجان التحقيق، بإسقاط شرط الـ13% من النواب، تم تعميمه دون ذكر شرط جديد يقيد تشكيل اللجنة بوجود توقيع من فريقين برلمانيين مختلفين. هذا القيد يُعطل إمكانية تحرك أقلية موحدة ضد فساد أو تجاوز، ويجعل الآلية مرهونة بحسابات سياسية لا علاقة لها بفاعلية الرقابة.
أما عقوبة الطرد من الجلسات، والتي قد تمتد لأربعة أشهر، فتم التهوين من أثرها، رغم أن نائبًا قد يُمنع خلالها من حضور دورتين رقابيتين وتشريعيتين كاملتين. إنها عقوبة تقيد صوت النائب وحقه في التعبير باسم الأمة، ولا يمكن التعامل معها كأمر رمزي أو تفصيلي.
الخطير في موقف "تواصل" ليس فقط مشاركته في تمرير القانون، بل في تقديمه هذه المشاركة على أنها إنجاز للمعارضة. بينما الواقع يقول إن هذا السلوك منح السلطة فرصة ذهبية لتقديم النص بوصفه ثمرة توافق، وهو ما يُضعف موقع المعارضة ويُفقدها رمزيتها، خصوصًا حين يُقال إن أبرز أحزابها كان شريكًا في صناعة القانون.
لقد قدّم نواب قاطعوا التصويت – من مختلف التيارات – موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا عاليًا، حافظ على المسافة بين المعارضة وسلطة التشريع التقييدي. أما الانخراط في تجميل القيد وتسويقه، فذلك، وإن بدا براجماتيًا، هو تنازل مبدئي لا يخدم العمل النيابي، ولا قواعد الحزب ذاته.
المعارضة لا تُقاس بعدد المواد التي تم تعديلها، بل بمقدار ما تحمي من الحريات، وما ترفضه من تراجعات. وحين تُصبح المشاركة في التقييد تبريرًا، يصبح من المشروع أن نسأل: من الذي مثّل المعارضة فعلًا؟



.jpeg)

.jpeg)