المستشفى الوطني: عندما يصبح المرض أسهل من الإجراءات

ليس سرًّا أن "المستشفى الوطني" – أكبر منشأة صحية في البلاد – لم يلتحق بعد بركب العصر الرقمي. فالداخل إليه لا يواجه المرض فقط، بل يواجه منظومةً متكلّسة، تتعامل مع الألم بروح الدفاتر والطوابع والأبواب المغلقة.

لا وجود لحجز رقمي للمواعيد، ولا ملف صحي إلكتروني يرافق المريض من قاعة الانتظار إلى قاعة العمليات، ولا إحالة إلكترونية بين الطبيب العام والطبيب المختص. ما يزال كل شيء يُدار بالورقة والقلم، وكأننا نعيش في أرشيف بدائي لا في مستشفى يُفترض أنه مركز طبي مرجعي.

وربما الأدهى من ذلك أن جهاز التأمين الصحي – بدل أن يكون جزءًا من المنظومة الداخلية – يعمل كجسم موازٍ مستقل، له طابور منفصل، ونظام منفصل، ومنطق إداري يبدو أحيانًا أقرب إلى المماطلة منه إلى الخدمة. وهكذا يجد المريض نفسه تائهًا بين مصلحته الصحية وبين أوراق تأمين قد تُعطل علاجه لأيام.

إضافة إلى ذلك، لا تتحدث مستشفياتنا العمومية بلغة موحدة. فكل مستشفى يعمل بنظامه (إن وجد أصلًا)، ولا توجد قاعدة بيانات وطنية صحية موحّدة، بحيث يمكن لطبيب في نواكشوط أن يطّلع على الملف الطبي لمريض قادم من كيهيدي، أو لممرضة أن تسجّل دواء صرفته ليظهر تلقائيًا في ملف المريض. وحتى في العاصمة، من مستشفى إلى مستشفى، تجد نفسك تبدأ من الصفر.

وهنا المفارقة المؤلمة: في مجتمع بدأت فيه قطاعات صغرى ومتناهية الصغر تعتمد أساليب الإدارة الرقمية – ولو جزئيًا – لم تنجح أضخم منشأة صحية في مواكبة نفس التحول. لا حاجة لضرب أمثلة محددة، فالمشهد العام يكفي: خدمات بسيطة سبقت، وصحة الناس تأخرت.

وإذا نظرنا شرقًا أو شمالًا، فإن الصورة تزداد وضوحًا. في رواندا، أصبح من الطبيعي أن تُجرى استشارة طبية عبر تطبيق هاتفي. وفي تونس، تعمل المستشفيات تدريجيًا على إدخال الملفات الرقمية وتبادل المعلومات بين المراكز الصحية. أما المغرب، فقد خطى خطوات واسعة في دمج أنظمة المستشفيات وتأميناتها ضمن منصات رقمية موحدة تسهّل الخدمة وتقلل التكاليف وتضمن الشفافية.

فهل يُعقل أن يُعالج المواطن الرواندي من قريته، ويظل المواطن الموريتاني ينتقل من نافذة إلى نافذة في قلب العاصمة فقط لحجز موعد أو لسحب نتيجة فحص؟

هذه ليست مسألة تمويل فقط، بل مسألة إرادة وتفكير إداري. المطلوب اليوم ليس رقمنة شكلية لمكتب أو واجهة، بل إصلاح رقمي شامل يبدأ من توحيد الأنظمة بين المستشفيات، ودمج التأمين الصحي داخلها، وبناء ملف صحي رقمي موحد يرافق المواطن مدى الحياة، أينما ذهب، وبغض النظر عن المستشفى الذي قصده.

إن حياة الناس أغلى من أن تُدار على الطريقة البيروقراطية القديمة. وما لم نُنجز تحولًا رقميًا عميقًا في الصحة، سنظل نُشيّد المستشفيات ونفقد الناس.

أحد, 27/07/2025 - 09:46