لماذا تحدثنا عن العشرية وعن النهج كثيرا! (5)

بعد كل ما تقدم، يقولون لك إنه لا زالت أمامنا تحديات وكأنهم خارج الزمان والمكان، أو كأنهم هم كانوا سيرفعون كل التحديات في عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين! إذ كيف لا نكون لا زالت أمامنا تحديات ونحن كنا منهمكين طيلة العشر سنوات الماضية في وضع الأولويات، وما هو البلد في عالمنا الثالث، بل والعالم الذي يعلوه لا توجد لديه اليوم تحديات حيث رفع كل تحد يكشف الغطاء ويزيح الستار عن تحديات جديدة من نوع جديد، وهل لو لم تكن لا زالت أمامنا تحديات كان علينا تشبيك السواعد أو الاستلقاء، ومن ممن رفعوا كل تحدياتهم مُستلق اليوم أو مشبك لسواعده؟! إن ذلك هو ما عبر عنه الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز أكثر من مرة حين كان يقول ( حققنا الكثير لبلدنا ولا يزال أمامنا الكثير الكثير الكثير مما يجب تحقيقه )، وهو أيضا ما عبر عنه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني في خطابي ترشحه وتنصيبه، بعد كل تنويه خص به عشرية سلفه وما تحقق خلالها من مكتسبات وإنجازات مشهودة في جميع المجالات فيقول مستدركا ( لكن طريق التنمية طويل ومسيرة البناء لا تتوقف ).

 

يقولون لك أيضا إن العشرية الأخيرة تميزت بانتشار البطالة وهو أمر طبيعي جدا، إنما غير الطبيعي هو خلافه، إذ كيف لا تنتشر البطالة وعيون العاطلين طويلة، والأعمال المهنية التي هي المستوعب والممتص الأكبر لليد العاملة، والتي يمارسها الأجانب هنا ويحصلون منها على دخول متفاوتة منها الكبير، ومنها المتوسط، ومنها ما دون ذلك لا زالت " معرة " في أوساط المجتمع، وتشغيل اليوم بمعناه الذي يتطلع إليه العاطلون لا يكون إلا على أساس تخطيط الأمس؟! المعروف أنه لم تكن هناك أية خطط لأي شيء قبل هذه العشرية ومن ذلك التخطيط للتشغيل، والصائحون بارتفاع نسبة البطالة اليوم لا يقولون لنا ما هي رؤيتهم لكيفية خلق فرص التشغيل، وإذا فصَّل أحدهم وقدم رؤيته يتحدث لك عن خلق هذه الفرص من خلال تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، فإنه يجهل أو يتجاهل مقومات تلك الاستثمارات ومتطلباتها التي لا تكون إلا بها، وعلى رأس تلك المقومات مستوى مقبولا من البنية التحية مواصلات واتصالات، ومياه وطاقة كهربائية للصناعة والتحويل، وموانئ للصيد وللشحن والتفريغ، ويد عاملة وطنية مكونة على أساس متطلبات سوق العمل، والأهم من ذلك مناخ موات من التشريعات ومن الأمن والاستقرار.. وهذا هو ما كان يجري عليه العمل طيلة هذه السنوات لأنه لم يكن يوجد منه الحد الأدنى المطلوب لسد حاجات المجتمع أحرى ما يتطلبه الاستثمار!

 

 فمن هو ذلك المُفرط والسفيه الذي كان سيأتي بأمواله ليرميها في بلد غفار من كل هذه المقومات، بينما لديه المغرب والسنغال وتونس وسنغافورة وماليزيا والفلبين وتركيا ومصر وغيرها حيث كل هذه المقومات المادية والبشرية..! الآن فقط أصبح الحديث عن الاستثمارات وخلقها لفرص العمل ممكنا بعد وضع جزء من مقوماتها في انتظار وضع ما لا يزال ناقصا منها، وقد بدأت طلائع تلك الاستثمارات وستتواصل مع مواصلة البلد استكمال بنيته التحتية والتعريف بمقدراته الاستثمارية، فحتى مجرد التعريف بالمقدرات الإستثمارية في بلد كان مجهولا اقتصاديا يتطلب هو الآخر جهودا كبيرة ووقتا وصبرا في ظل جُبن رأس المال الأجنبي والمنافسة الدولية الشديدة على جلبه، وأسبقية وأفضلية الكثير من بلدان العالم على بلدنا في هذا المجال، ورصيد الخبرة المتراكمة لديها في ما يخص مقومات وفرص ومناخات الإستثمار، كما أن عالم الأمس بطفراته الإقتصادية وفوائضه المالية وتمويلاته وهباته السخية، ليس هو عالم اليوم بأزماته الإقتصادية وانكماشاته المالية وخططه التقشفية، وتأثراته الترابطية التي أصبحت بمثابة الجسد الواحد الذي كلما اشتكى منه بلد واحد ركودا اقتصاديا تداعت له سائر البلدان تأثرا وكسادا..!

 

 أيضا لا تُعد قلة عدد السكان مقوما اقتصاديا مساعدا في مجال التنمية، حيث لا يتحدث اثنان من منظرينا إلا وقالا لك إن عدد سكان بلدنا قليل ومن السهل توفير فرص التشغيل لكل أبنائه، وتحقيق الرخاء والاكتفاء الذاتي  لكل مواطنيه وهذا غير صحيح، فإذا كان ارتفاع عدد السكان إلى حد معين يُعد عائقا تنمويا، فإن قلة عدد السكان إلى حد معين هو الآخر عائق تنموي، وتعظم المشكلة إذا كان السكان قليلو العدد أصلا موزعين أيضا بشكل عشوائي في بلد صحراوي قاحل، قاسي الطبيعة، شاسع المساحة مترام الأطراف، وينتشر في أوساطهم الجهل والأمية والبداوة والتخلف المعرفي والحضري، وبالتالي ضعف المردودية في المجالين الإنتاجي والإقتصادي، وحتى المستثمرون أول ما يناقشونه وهم يبحثون فرص الاستثمار في بلد ما هو عدد سكانه ومعدل دخولهم وقوتهم الشرائية، لأن ذلك مرتبط بشكل مباشر بحجم السوق الاستهلاكي الداخلي لذلك البلد وبالتالي ربح المستثمرين..

 

 فلنغالط انفسنا إذا شئنا، ولكن لا ينبغي أن نغالط العوام من خلال تضليلهم باستغلال تغفلهم ودغدغة نفسياتهم من أجل كسبهم في معاركنا السياسية أو تحريضهم على الحكام بالأوهام! لهذا وجدنا أن عشرية الرئيس محمد ولد عبد العزيز بدأت وانقضت بوضع الأسس والأولويات دون الانشغال بالشكليات والثانويات، بينما عُنونت تعهدات رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني بالطموح المقيد بالواقعية، أي بما تتيحه الإمكانات المادية والبشرية، وما يُساير واقع المجتمع وطبيعته وقدراته، وما هنالك أرضية لتنفيذه من برامج وخطط، وقد سمعتم وزير التشغيل قبل أيام وهو يعلن عن برنامج كبير لتشغيل العاطلين من غير المتعلمين في دخل البلاد، فكيف كان بالإمكان تنفيذ ذلك البرنامج التشغيلي عندما كانت هذه المناطق تعيش العزلة والعطش وغياب الكهرباء!  

 

وما نقوله عن عامل عدد السكان نقوله إيضا عن مغالطة " بلد غني وشعب فقير " التي ترد على ألسنة هؤلاء كثيرا، فالبلد الغني تطلق على بلد غني بأرصدته المالية، أو بصناديقه السيادية، أو بصناعاته الثقيلة أو التحويلية المتنوعة، أو بصادراته الطاقوية المستديمة والممتدة على مدى عقود، أو ذلك النوع الثاني من الغنى المتمثل فى غناه بمصادره البشرية المتعلمة الواعية النشطة والمنتجة، وهو الغنى الذي تتفوق به اليوم بلدان ليست لديها أية ثروات على بلدان أخرى متخمة بالثروات.. ( تذكرني أهمية ومحورية الغنى المتمثل في المصادر البشرية المتعلمة والمنتجة بالمثل الذي نتداوله عن الجراد فنقول إنه إذا بات على الحجارة فلا بد أن يحصل منها على عشاءه ) وبنفس المعنى فإن الغنى بالمصادر البشرية هو الغنى الحقيقي لأنها هي التي تفكر وتُبدع وتُحرك، وهي التي تفك العقد وتتصرف بعقل مع التعقيدات، وهي التي تُثمن الثروة وتخلقها وتُنميها وتطورها..ولا شيء إذن من كل ما ذكرناه بخصوص الغنى ينطبق على بلدنا لنسميه، بكل هذه البساطة، بلدا غنيا!

 

 صحيح أن هناك مقدرات اقتصادية لا بأس بها تتمثل في نهر وأراض زراعية صالحة وشاسعة ولكنها لدى مجتمع، بطبيعته وثقافته، ليس مجتمعا زراعيا بالمعنى الحديث للزراعة، وفي هذ االيوم الذي نتحدث فيه فإن 98% من اليد العاملة في القطاع المروي أجانب، سنغاليون وغينيون وطوارق وماليون.. ليس لأن المزارعين الموريتانيين يرفضون تشغيل الموريتانيين، بل لأن الموريتانيين يفضلون التسكع في المدن وممارسة الأعمال غير المجهدة عن العمل في الحقول، تقولون لي ذلك لأن أجور العاملين في الزراعة هزيلة؟.. طيب، فكم هي عائدات الأعمال التي يمارسها هؤلاء في المدن، وكم منهم لا يمارس أي عمل أصلا، بل ما الذي أتى بالأجانب للعمل في الزراعة في حقولنا بمثل هذه الأجور؟! لا يختلف القطاع المطري هو الآخر عن القطاع المروي في كثير، فهناك القرى والتجمعات التي تسكن على حافة النهر أو بجوار السدود والأراضي الزراعية، ولكن قواها العاملة تفضل الهجرة إلى كوديفوار أو غيرها لممارسة مهنة " الوكّفه " هناك، وإذا جاءهم مستثمر لاستغلال تلك الأراضي ليستفيد منها ويفيدهم يُثوِرهم ويحرضهم السياسيون عليه فينسحب ويتركهم ينظرون إلى أراضيهم عاجزين!

 

هناك أيضا شاطئ بحري طويل وغني بالأسماك، لكن من ظل يمارس فيه الصيد بشكل منتج وحقيقي هم الصيادون السنغاليون، وقد رأينا ما الذي جرى قبل سنتين عندما قررت الدولة منع ممارسة الصيد التقليدي على الأجانب تشجيعا للموريتانيين على دخول البحر وممارسة الصيد، حيث اختفت الأسماك من السوق، وتعالت صيحات الفاعلين في القطاع من نقص الصيادين المهنيين والمستعدين للعمل في الصيد التقليدي، ورغم أن الدولة شجعت الشباب على ممارسة الصيد وفتحت أكاديمية لتكوينهم في المجال، إلا أن عدد المقبلين على التكوين في تلك الأكاديمية لا يزال محدودا، وأغلب من يدخلها منهم من أجل التكوين يدخل بغرض الحصول على المنحة التشجيعية وبمجرد أن يتخرج يختفي عن الأنظار، والعمل الجبري الذي كان يؤخذ فيه الناس في معسكرات للعمل قهرا في البحار والمناجم والحقول، كما كان يحدث في بعض البلدان، لم يعد هذا زمنه بعد التحولات السياسية والاجتماعية ورسم القوانين المنظمة للشغل والحامية للحقوق والحريات.

 

 تتوفر البلاد أيضا على مقدرات معدنية متنوعة، ولكنها خامات في باطن الأرض يتطلب استخراجها واستغلالها رؤوس أموال كبيرة وخبرات تقنية عالية، وحتى الآن لا تتوفر لدى بلدنا لا رؤوس الأموال تلك ولا التقنيات، والخيارات أمامنا في استغلال هذه الخامات محدودة، إما تركها في باطن الأرض إلى أن تتوفر متطلبات الاستغلال الذاتي لها ماديا وتقنيا، أو منح رخص استغلالها للقادرين على ذلك ماديا وتقنيا مقابل نسب محدودة من عائداتها، والحصول منها على ما يعرف ب" العائد المحلي " المتثل في العائدات من الضرائب على الشركات المستغلة لها، وتشغيل ما أمكن وصلُح من يد عاملة وطنية، واستفادة السوق المحلي من تزويد هذه الشركات بما تحتاجه من سلع وخدمات..

 

 وهناك من يرى أنه في غياب رأس المال والتقنيات المحلييْن ينبغي ترك هذه الخامات في باطن الأرض لما يسميه الأجيال القادمة، لكن هناك أيضا من يرى أنه من الأفضل منح رخص استغلالها للشركات الأجنبية مقابل ما يمكن لتلك الشركات أن تتنازل عنه من نسب للدولة باعتبارها، أي هذه الشركات، هي صاحبة رأس المال والخبرات.. لأن مجرد وجودها ودخولها سوق الاستثمار في بلد حديث الاكتشافات المعدنية ملتزم بمواثيقه مع الشركاء، هو في حد ذاته ترويج لمقدرات البلد و" استدراج " لمستثمرين آخرين للقدوم والتعاقد من أجل استثمارات جديدة في استخراج واستغلال خامات جديدة، ستكون الدولة على قدرة أكبر على التعاقد معهم بشروط أفضل من الشروط التي تعاقدت بها مع شركائها الأوائل الذين كانوا هم المستكشفون.. إذ ليس من مصلحتك، كبلد بمقدرات بكر، إرهاق شركائك بالشروط المنفرة التي سيتخذها الآخرون مرجعا كلما فكروا في القدوم لبلدك.

 

 شركة " سنيم " مثلا هي اليوم شركة موريتانية لكن ما الذي سبق ذلك؟ هل لو لم تكن الشركات  الفرنسية والبريطانية والألمانية المتكتلة تحت إسم  " ميفيرما " هي من استثمرت ملايين الدولارات واستخدمت التقنيات المتطورة آنذاك في التنقيب عن الحديد الموريتاني واكتشافه واستخراجه وتركيب معامله وآلياته العملاقة، وتكوين وتدريب أطره، ووضع سكة نقله وقطاره الأطول في العالم وإنشاء ميناء تصديره، وخلق أسواق استيراده.. هل كانت الدولة الموريتانية بإمكاناتها المادية والبشرية قادرة على ذلك؟! ثم ما الذي جرى عند اتخاذ القرار بتأميم شركة " ميفيرما " أوائل السبعينات وموريتانيا لا تمتلك دولارا واحدا لتعويض ملاك الشركة المنسحبين عن استثماراتهم! إنه لولا تدخل الممولين والمانحين العرب لدفع تلك التعويضات بمئات ملايين الدولارات لما كانت " سنيم " اليوم شركة موريتانية، ولكانت مثل " أم سي أم " و " تازيازت " شركة أجنبية تستخرج الحديد مقابل نسبة للدولة الموريتانية وضرائب وتشغيل لبعض الموريتانيين..

 

هذه حقائق عن مقدرات بلدنا وثرواته المُضخمة أكثر من الحد والواقع، وهي حقائق ومعطيات يجب أن يعيها الناس والعاطلون منهم خصوصا، وتتطلب توعية الناس بهذه الحقائق حملات مكثفة حكومية ميدانية وإعلامية، أولا لكي يكونوا أمام مسؤولياتهم ويفتحوا عيونهم ويُشمروا عن سواعد الجد والاستعداد للعمل في ما هو متاح من فرص، وثانيا لكي لا يبقوا رهائن وفرائس لسياسيين ودعائيين يستغلون تغفلهم ويحشون أدمغتهم، ويقولون لهم دولتكم غنية وقادرة على تشغيلكم كلكم، بل وقادرة على دفع الرواتب الشهرية لكل واحد منكم وهو نائم على فراشه ولكنها فقط لا تريد، وحسب تجربتي ومن أناقشهم من عامة الناس يوميا، بل وأحيانا من خاصتهم، فإن كل خمسة أشخاص أربعة منهم و " ثلاثة أرباع خامسهم " خاضعون مرتهنون لهذه الدعايات والمغالطات ليحقق السياسيون أهدافهم ويجمعوا نقاطهم السياسية، ويبقى العاطلون عاطلون متسكعون عل أرصفة الأماني والأوهام!

محمدو ولد البخاري عابدين      

ثلاثاء, 10/09/2019 - 19:54