من العيون إلى واغادوغو

المعارضة الموريتانية في عواصم الجوار وأول ظهور لاسم "البعث" (1959-1962)

 

 

مدخل: الدولة الناشئة تشهد على خصومها

 

زودني أخي الباحث المكتبي جمال ولد كابر بمجموعة من الوثائق التي تعود إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي وبداية ستينياته، يجمعها كلها أنها تتعلق بأنشطة المعارضة الموريتانية في ذلك التاريخ، وهي معارضة متنوعة، ويبرز فيهذه الوثائق بشكل خاص نشاط "الاتحاد الوطني الموريتاني"، وتأسيس حزب البعث، وما بينهما من حركات وأسماء ظهرت ثم خبت قبل أن يحفظ لها التاريخ المكتوب مكانا. وهي وثائق إدارية ودبلوماسية مرقونة بالفرنسية، كتبها قادة دوائر ورؤساء بعثات ومخبرون، ورفعوها إلى الوزير الأول حينها السيد المختار ولد داداه رحمه الله، أو إلى وزير الشؤون الخارجية حينها السيد شيخنا ولد محمد الأغظف، ومنها برقيات متبادلة بين المعارضين أنفسهم وقعت في يد الإدارة فأرفقتها بتقاريرها. فهي إذن شهادة الدولة الناشئة على خصومها، ونظرة عيونها إلى ما يجري في أطرافها وفي عواصم الجوار.

والملاحظ في هذه الوثائق أن المعارضة الموريتانية في تلك السنوات لم تكن صوتا واحدا، بل كانت أصواتا يجمعها رفض النظام الذي يتشكل في نواكشوط، وتفرقها الوجهة بعد ذلك: فمنها من يولي وجهه شطر الرباط ويرى في المغرب هدفه المنشود، ومنها من يولي وجهه شطر باماكو ويرى خلاص البلاد في الفدرالية الإفريقية، ومنها من يتحدث بلسان القومية العربية ويبحث لموريتانيا عن طريق ثالث لا مغربي ولا مالي. والملاحظ أيضا أن أكثر هذه المعارضة كان يتحرك خارج الحدود، في دكار وسان لويس وباماكو وواغادوغو والرباط، أكثر مما يتحرك في الداخل، وكأن الدولة الوليدة لم تكن قد بسطت بعد مجالها السياسي على أرضها، فكان خصومها يقيمون حيث تمتد صلات الأرحام والتجارة والطرق القديمة، لا حيث ترسم الخرائط الجديدة ويتم تأسيس هوية ناشئة.

ولا يخفى أن هذه الوثائق، وهي صادرة عن خصوم من تتحدث عنهم، تحتاج إلى قراءة حذرة، فيها من المبالغة والظن ما في تقارير الرصد والاستخبارات عادة. لكنها مع ذلك تسد فراغا كبيرا في تاريخ لم يصلنا منه في الغالب إلا ما رواه أصحابه عن أنفسهم بعد عقود. وقد رأيت أن أقدم لها بعرض موجز لمؤتمر "الاتحاد الوطني الموريتاني" في لعيون صيف 1959، لأنه يرسم صورة المعارضة عشية الاستقلال، ثم أخص ما بقي من المقالة بوثيقة تتعلق بأول ظهور معروف لاسم حزب "البعث" في المجال السياسي الموريتاني.

 

 

مؤتمر لعيون (يوليو 1959): المعارضة عشية الاستقلال

 

عقد "الاتحاد الوطني الموريتاني" مؤتمره في لعيون من 19إلى 21 يوليو 1959. وكان قد سبقه لقاء غير رسمي في 27و28 يونيو، بعد أن أُجّل المؤتمر الأول ولم يبلغ خبر التأجيل وفد دكار. وقد حُدد موعد يوليو بعد صراع داخل الحزب: فالأمين العام الحسن ولد صالح أراد تعجيل المؤتمر، والرئيس الحضرامي ولد خطري فضّل تأجيله إلى أكتوبر في نواكشوط، ثم رضخ لأنه كان في الأقلية. وحضرت المؤتمر وفود من دكار وخاي ونيورو وكيهيدي والحوض، ومراقبون من الحزب الفدرالي الإفريقي والاتحاد السوداني والاتحاد التقدمي السنغالي. وكان من أبرز المؤتمرين الحضرامي ولد خطري، ويعقوب ولد أبو مدين، والحسن ولد صالح، ودودو گي، والدكتور موسى صال وغالبية الحاضرين من المنحدرين من الضفة، وحضر بوياگي ولد عابدين بوصفه رئيس حزب النهضة. وتشير التقارير إلى أن سلطات مالي سهّلت نقل بعض الوفود، وأن الحزب تلقى 350.000 فرنك من الاتحاد السوداني والتجمع الديمقراطي الإفريقي السنغالي.

 

 

قطيعة مع النهضة وتوجه نحو الفدرالية

 

في المرحلة الأولى حاول المؤتمر التقارب مع النهضة، لكن ذلك فشل؛ فقد اقترح بوياگي جبهة مشتركة لإسقاط حكومة المختار ولد داداه، واشترط الحضرامي أن تذوب النهضة في الحزب، فوقعت القطيعة في العيون، وأخذ كل فريق مسلكه ووجهته الخاصة، وأعلنها بوياگي ببرقيات إلى فروع النهضة.

أما المرحلة الثانية فهيمن عليها مندوبو مالي؛ إذ أجمع المؤتمرون، وأغلبهم من أبناء الضفة، على الفدرالية وسيلةً لإزاحة النظام القائم وللوصول إلى الاستقلال على غرار مالي، وقبِلوا تحويل الحزب إلى فرع من الحزب الفدرالي الإفريقي، مقابل وعود بالدعم المادي وبالمطالبة بإلغاء انتخابات مايو. وانتهى المؤتمر بانتخاب لجنة قيادية من 30 عضوا ومكتب تنفيذي من 16 عضوا، وأُعيد انتخاب الحضرامي رئيسا، وصار موسى صال نائبا له والحسن ولد صالح أمينا عاما. ورأت الإدارة أن الحزب يفتقر إلى قاعدة شعبية ويعوّل على الدعم الخارجي، وأن في قيادته تيارين: تيار شبابي متحمس للفدرالية المالية، وتيار الشيوخ الذي لا يرى في الفدرالية إلا وسيلة.

 

 

وثيقة صيف 1962: نافذة على سنوات غامضة

 

أما الوثيقة التي أخص بها هذه المقالة فرسالة دبلوماسية موريتانية سرية تعود إلى صيف سنة 1962، تتعلق بمحاولة مبكرة لتأسيس حزب موريتاني يحمل اسم "حزب البعث"، وذلك قبل التاريخ الذي تتداوله المراجع القليلة التي أرخت لهذا الحزب في موريتانيا بست سنوات على الأقل. والوثيقة رسالة مرقونة بالآلة الكاتبة باللغة الفرنسية، موجهة إلى وزير الشؤون الخارجية للجمهورية الإسلامية الموريتانية بنواكشوط السيد شيخنا ولد محمد الأغظف، وهي محفوظة ضمن ملف كتب عليه أحد الموظفين بخط يده "ملف مالي" (Dossier Mali)، وتحمل الرقم 62 في ترقيم صفحاته. ولم أر أحدا ممن كتبوا عن تاريخ الحركات السياسية الموريتانية أشار إليها أو أفاد منها، مع أنها تفتح نافذة على مرحلة شديدة الغموض من تاريخ الدولة الموريتانية الناشئة، هي السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال.

وسأحاول فيما يلي تقديم الوثيقة وعرض مضمونها، ثم قراءتها في ضوء ما كتب عن نشأة حزب البعث العربي الاشتراكي في موريتانيا، وخصوصا الدراسة الجامعية التي أعدها الباحث محمد الراظي ولد النهاه، مع تبيين أمور يستوجب السياق تبيينها، وليست بالضرورة في الوثيقة، وإنما هي توضيح مني يميزه القارئ بسهولة عن نص الوثيقة.

 

 

البعث في الرواية المتداولة: تاريخ يبدأ من حيث بدأ رواته

 

من المراجع القليلة التي تناولت تاريخ حزب البعث في موريتانيا بحثٌ لنيل شهادة المتريز في التاريخ، قدمه الطالب محمد الراظي ولد النهاه في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط سنة 2003-2004، تحت إشراف الدكتور محمدو ولد محمدن، وعنوانه "حزب البعث العربي الاشتراكي في القطر الموريتاني (1968-1990)". ويجعل الباحث بداية البعث في موريتانيا ما بين سنتي 1968 و1972، ويذكر أن كل من حاورهم من رموز الحركة يجمعون على أن التأسيس كان على يد محمد يحظيه ولد ابريد الليل العائد من الدراسة في فرنسا، ومحمد سعيد ولد الحسين (الداه) العائد من سوريا بعد تخرجه سنة 1967 من الأكاديمية العسكرية بحمص، ومعهما فاضل ولد سيدي هيبه ومحمد يحظيه ولد الطلبه الذي كان يومئذ تلميذا في الثانوية الوطنية. وكان نشاط هذا الرباعي في البداية تحت مظلة حركة القوميين العرب التي تأسست بنواكشوط سنة 1967، قبل أن يبرز تنظيم بعثي مستقل باسم "الطليعة العربية الثورية" سنة 1972، إثر انقسام الحركة إلى اتجاهين بعثي وناصري.

والملاحظ أن الباحث نفسه يعترف في خاتمة بحثه بأنه لم يحصل على مصادر مكتوبة لهذه الحركة، وأنه اعتمد على مقابلات شفهية مع بعض رموزها، ولم يجد بعد البحث سوى كراس واحد وبيان واحد صادر سنة 1990. وهذا أمر مفهوم في تاريخ حركات سرية عاشت تحت الأرض وفي الأقبيةسنوات طويلة، لكنه يعني أن رواية النشأة كما وصلتنا رواية شفهية يرويها المؤسسون عن أنفسهم، وهي بطبيعتها تبدأ التاريخ من حيث بدؤوا هم. ومن هنا تأتي قيمة الوثيقة المكتوبة التي نحن بصددها، فهي شاهد من خارج الحزب، ومن خصومه تحديدا، على أن اسم "البعث" كان حاضرا في المجال السياسي الموريتاني منذ سنة 1962.

 

 

رسالة بلا سنة: وصف الوثيقة وتأريخها

 

الوثيقة التي بين يدي عبارة عن رسالة سرية (Confidentiel) تحمل الرقم 6، ويظهر على صدرها ختم تاريخ "5 أغسطس"، وعلى هامشها إشارات بخط اليد، منها في آخرها عبارة (pour AE) أي للشؤون الخارجية، وعليها ختم دائري للتمثيلية الدائمة للجمهورية الإسلامية الموريتانية (Représentation Permanente). ولا تذكر الوثيقة السنة صراحة، لكن قرائن النص تحسم أمرها؛ فهي تتحدث عن إنشاء الفرنك المالي، وقد أصدرت مالي عملتها الوطنية في الأول من يوليو 1962، وتتحدث عن سفير الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في باماكو، وهي حكومة لم تعمّر بعد سبتمبر 1962، وتتحدث عن موريتانيا وفولتا العليا بوصفهما عضوين في الاتحاد الإفريقي الملغاشي الذي تأسس في سبتمبر 1961. فالوثيقة إذن مؤرخة في 5 أغسطس 1962، أي بعد عشرين شهرا تقريبا من إعلان الاستقلال.

أما كاتب الرسالة فلم يذكر اسمه في الصفحات التي بين أيدينا، والواضح من الختم ومن لغة الرسالة أنه رئيس بعثة دبلوماسية موريتانية في إحدى عواصم غرب إفريقيا، يرفع إلى وزارته ما بلغه من أخبار المعارضة الموريتانية في مالي وفولتا العليا. وتتكون الوثيقة من صفحتين متصلتين، تليهما ورقة ثالثة تحمل الختم نفسه، ويبدو أنها إضافة لاحقة، لأنها تروي خبر اعتقال صاحب الحزب واستجوابه.

 

 

مبعوث النعمة في باماكو: مهمة سرية لم تعد سرا

 

تبدأ الرسالة بخبر زيارة تلقاها كاتبها يوم 31 يوليو 1962 من رجل قيل إن قائد دائرة النعمة أرسله في مهمة إلى مالي. والرجل من مواليد سنة 1922 تقريبا، وتذكر الوثيقة اسمه وقبيلته ومكان ميلاده ورقم بطاقة تعريفه، وقد آثرت عدم ذكر اسمه، فليس في ذكره فائدة للبحث التاريخي. وقد غادر الرجل الحوض قبل أيام قليلة، ولم يكن على علم بمهمته -كما يقول التقرير- إلا حاكم دائرة الحوض الشرقي ونائبه. غير أنه فوجئ عند وصوله إلى باماكو بأن المسمى اهريطه والطالب ولد عبد الرحمن، وكلاهما ينسق مع الزعيم حرمه ولد ببانا، كانا على علم بمجيئه، إذ أخبرتهما بذلك رسالة كتبها تاجران من تجار النعمة هما أحمد خلاوي وعبد الله ولد سيدي ولد ماخو صو. ويعلق كاتب التقرير بأن الأمور تتضح حين نعلم أن أحمد خلاوي صديق حميم لنائب حاكم دائرة الحوض، وكأنه يريد أن يقول إن سر المهمة تسرب من مكتب الدائرة نفسه.

ثم ينقل التقرير خلاصة ما جمعه المبعوث في مالي، ومفادها أن من يسمون "الزعماء" (Zouama)، ويقصد بهم زعماء المعارضة الموريتانية المنحازين إلى المغرب، يهدفون في النهاية إلى احتلال موريتانيا عسكريا لضمها إلى المغرب، فإن أخفقوا طلبوا من الأمم المتحدة تنظيم استفتاء في موريتانيا. وأن عدد عسكرييهم يبلغ نحو 3000 رجل يقودهم شخص يدعى إبراهيم، ويملكون 40 آلية مدرعة وكمية كبيرة نسبيا من الأسلحة الخفيفة واحتياطا جيدا من الذخيرة، وأن باماكو هي العقل العسكري لهذا المشروع، وفيها يجري تنظيم كل شيء.

ولا شك أن في هذه الأرقام مبالغة من جنس ما تحمله تقارير المخبرين عادة، فأربعون مدرعة في يد معارضة لاجئة أمر يصعب تصديقه، لكن قيمة الخبر ليست في دقة أرقامه، وإنما في دلالته على المناخ الذي كانت تعيشه نواكشوط سنة 1962. فمالي في عهد موديبو كيتا كانت حليفا للمغرب وعضوا نشطافي مجموعة الدار البيضاء، ولم تكن علاقتها بموريتانيا قد استقرت بعد، ولن تستقر إلا بمعاهدة خاي في فبراير 1963. فكانت باماكو في نظر الدولة الموريتانية الفتية عاصمة مقلقة، تأوي خصومها وتغض الطرف عن نشاطهم، وتمتد بينها وبين الحوضين حدود طويلة مفتوحة.

 

 

"الدعاية والدبلوماسية": معركة في العواصم لا في البوادي

 

ينتقل التقرير بعد ذلك إلى هيئة يسميها "الدعاية والدبلوماسية" (Publicité et Diplomatie)، ويذكر أن المسؤولين عنها هما محمد الكبير وعبد الرحيم ولد مسكه، وأنهما أقاما مؤخرا في واغادوغو، والتقيا هناك بمولاي الحسن (حسني) ولد مولاي ادخيل المعروف أسريا باسم "حسني"، ولا يعرف مضمون ذلك اللقاء. واسم هذه الهيئة في حد ذاته لافت، فهو يكشف أن المعارضة الموريتانية في الخارج كانت تدرك أن معركتها مع حكومة نواكشوط تدور في العواصم الإفريقية والعربية، وفي ميدان الاعتراف الدولي، أكثر مما تدور في بوادي الحوض والعصابة وسهول البراكنة وتيرس ومرتفعات آدرار وتكانت وأرياف الترارزة وإينشيري وشواطئ الضفة. وإذا كان التقرير يربط هذه الهيئة بمحيط حرمه ولد ببانا، فإن ذلك يعني أن الرجل الذي غادر موريتانيا إلى المغرب سنة 1956 كان لا يزال بعد ست سنوات يملك شبكة من الأنصار والوكلاء تمتد من الرباط إلى باماكو وواغادوغو.

 

 

"حزب البعث" في واغادوغو

 

ثم تأتي أهم فقرات الوثيقة. فقد شعر المبعوث بأنه مراقب أكثر مما ينبغي في باماكو، فانتقل إلى واغادوغو، عاصمة فولتا العليا (بوركينا فاسو اليوم)، والتقى هناك أكثر من مرة بمولاي الحسن (حسني) ولد مولاي ادخيل، الذي يصفه التقرير بأنه صاحب المبادرة إلى تأسيس حزب سياسي أنشئ حديثا في واغادوغو باسم "حزب البعث" (Hizb El Baath)، وغايته -كما يقول التقرير- التخلص من الحكومة الموريتانية القائمة ومن المطامع المغربية معا. وكان المبعوث يقدم نفسه على أنه منعداد مناضلي هذا الحزب الوليد، فكسب بذلك ثقة الزعيم الموريتاني المقيم في واغادوغو، فأكد له أن حزبه يحظى فعلا بدعم موديبو كيتا، وأن سفير الحكومة المؤقتة الجزائرية في باماكو وعد من جهته بعرض الأمر على جامعة الدول العربية، وقد وضع كاتب التقرير بعد هذه العبارة علامة استفهام بين قوسين، وكأنه لم يصدقها تمام التصديق.

ويختم الكاتب صفحتيه برأيه الشخصي، فيرى أن في الأمر نقطتين مهمتين: الأولى أن إنشاء هذا الكيان السياسي في واغادوغو أمر لا يحتمل في دولة عضو في الاتحاد الإفريقي الملغاشي، والثانية أنه صار من الضروري مراقبة تصرفات نائب قائد دائرة النعمة عن كثب، لأن كل شيء يجري كما لو كان هو حلقة الوصل بين الحوض وباماكو.

 

 

"حسني": تاجر بين عملتين ودولتين

 

ولم يكن مولاي الحسن ولد مولاي ادخيل، معارضا مهاجرا محدود الحيلة، بل كان من كبار رجال الأعمال الموريتانيين الذين استقروا في غرب إفريقيا وصنعوا فيها مكانة ونفوذا، وتذكر الرواية المتداولة أنه أسهم في مرحلة ما في تمويل التجمع الديمقراطي الإفريقي (RDA)، وهو الحزب الذي حكم فولتا العليا وساحل العاج وغيرهما من دول الجوار. والوثيقة نفسها تؤكد هذه الوجاهة حين تقول في ورقتها الثالثة إنه كان يتمتع بقدر من المكانة في واغادوغو، وتضيف تفصيلا صغيرا لكنه بالغ الدلالة، وهو أنه عُيِّن في الآونة الأخيرة وكيلا للصرف منذ إنشاء الفرنك المالي، أي أنه كان رجلا يتحرك بين عملتين ودولتين وشبكتين من التجار والسياسيين.

ولم تنقطع صلة هذا البيت الشريف بالشأن العام بعد أن أُجهضت محاولة حسني، فقد صارت ذريته جزءا فاعلا من النخبة التي قامت عليها الدولة الموريتانية، إذ تولى ابناه مولاي محمد ومولاي عبد المؤمن حقائب وزارية عديدة في حكومات الرئيس المختار ولد داداه، ثم ترأس مولاي محمد أحد الأحزاب السياسية حين انفتحت البلاد على التعددية الحزبية في عهد الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع. وفي ذلك مفارقة لافتة، فالرجل الذي تعقبته الدبلوماسية الموريتانية في واغادوغو سنة 1962 بوصفه خصما للنظام، صار بنوه من بعده من رجالات ذلك النظام نفسه، وهي صورة طالما دبرتها الحكومات الموريتانية المتعاقبة، وهي قدرة الدولة على استيعاب خصومها أو أبنائهم.

 

 

في قبضة شرطة فولتا العليا: لا للضم ولا لنظام نواكشوط

 

وفي الورقة الثالثة خبر مفاجئ؛ فقد اعتقلت شرطة فولتا العليا مولاي الحسن قبل نحو عشرة أيام من تحريرها، وبدا الرجل متفاجئا بهذا الاعتقال، وهو الذي كان يحسب أن وجاهته في واغادوغو تحميه. ولما استجوب أجاب -كما ينقل التقرير- بأنه أراد عن قصد وعن وعي تام أن ينشئ حزبا سياسيا معارضا سماه "البعث" أو "النهضة الموريتانية" (Renaissance Mauritanienne)، وأضاف أنه يحظى بالتأييد المعنوي لموديبو كيتا، وأن حركته تقف على مسافة واحدة من الأطروحة المغربية الداعية إلى ضم موريتانيا، ومما سماه "السياسة الرجعية" للمختار ولد داداه.

وهذه الإفادة هي أثمن ما في الوثيقة. فنحن هنا أمام برنامج سياسي واضح المعالم، يرفض الخيارين اللذين كانا يتقاسمان الساحة الموريتانية آنذاك: خيار الدولة الناشئة في نواكشوط بتحالفها الوثيق مع فرنسا وتوجهها الإفريقي، وخيار الضم إلى المغرب. فكأن مولاي الحسن أراد أن يقول: نعم لموريتانيا مستقلة، ولا لنظام المختار ولد داداه. وهي صيغة ستصبح بعد سنوات قليلة صيغة أغلب الحركات القومية واليسارية الموريتانية، لكنها تظهر هنا مبكرة، في واغادوغو، وعلى لسان تاجر موريتاني ذو أموال طائلة في غرب إفريقيا.

 

 

البعث والنهضة: اسم واحد بلسانين

 

يلفت النظر في إفادة مولاي الحسن أنه أعطى لحزبه اسم: "البعث" وأوردته الوثيقة في نصها الفرنسي باسمه العربي وترجمته بـ"النهضة". ومن المعلوم -والكلام هنا ليس للوثيقة- أن كلمة "البعث" في اللغة تعني الإحياء والإيقاظ، وأن الحزب الذي أسسه ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار في دمشق سنة 1947 كان يترجم اسمه إلى الفرنسية "Renaissance"، أي النهضة. فالاسمان في الحقيقة اسم واحد بلغتين، ولعل المترجم الفرنسي في شرطة واغادوغو أو في السفارة نقل الاسم العربي حرفيا مرة، ونقل معناه مرة أخرى.

ومن المعلوم أيضا أن موريتانيا عرفت قبل ذلك بسنوات قليلة حزبا قوميا عربيا هو "حزب النهضة الوطنية الموريتانية"، الذي تأسس سنة 1958 في كيهيدي بزعامة بوياگي ولد عابدين وأحمد بابا ولد أحمد مسكه، وكان اسمه بالفرنسية "Parti de la Renaissance Nationale"، وقد ذاب هذا الحزب في حزب الشعب الموريتاني سنة 1961 في إطار ما عرف بمؤتمر الوحدة أو الطاةلة المستديرة. فاسم "النهضة الموريتانية" في إفادة مولاي الحسن قد يكون استدعاء لذاكرة حزب النهضة الذي اختفى قبل أشهر، وقد يكون استعارة لاسم الحزب الدمشقي في ترجمته الفرنسية، والأرجح عندي أنه يجمع بين الأمرين؛ فصاحبه يقدم حزبه بوصفه وريثا لنهضة موريتانية أُطفئت في الداخل، ويُلبسه في الوقت نفسه اسما كان يومئذ يملأ أسماع العرب من دمشق إلى بغداد.

 

 

ما لا تقوله الوثيقة

 

ومع ذلك لا بد من الاحتراز المنهجي، فالوثيقة تثبت استعمال اسم "البعث" وتثبت وجود مشروع حزبي يحمله، لكنها لا تكفي لإثبات ارتباط تنظيمي بين حزب مولاي الحسن والقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي في المشرق. ويجب أن نتذكر أن البعث سنة 1962 لم يكن في السلطة بعد، فقد كانت سوريا خارجة لتوها من تجربة الوحدة مع مصر وانفصالها، ولم يصل البعثيون إلى الحكم في بغداد ودمشق إلا في فبراير ومارس 1963. فاسم البعث في واغادوغو صيف 1962 كان اسم حركة فكرية ونضالية في المعارضة، وليس اسم دولة تمول وتوجه، وهذا ما يجعل تبنيه في تلك اللحظة اختيارا فكريا أكثر منه بحثا عن سند خارجي. والحسم في هذه المسألة يحتاج إلى وثائق أخرى، كأوراق الحزب نفسه أو مراسلات مؤسسه أو أرشيف شرطة فولتا العليا.

وكذلك الشأن في الحديث عن دور فرنسي في اعتقال مولاي الحسن، فهو احتمال وارد بالنظر إلى ما كانت تملكه فرنسا من نفوذ أمني في مستعمراتها السابقة، لكن الوثيقة لا تذكر شيئا من ذلك، ولا يجوز أن نحمّلها ما ليس فيها.

 

 

دولة ناشئة تحاول حراسة مجالها السياسي

 

ومن أكثر عبارات التقرير دلالة قول صاحبه إن إنشاء حزب معارض موريتاني في واغادوغو أمر لا يحتمل في دولة عضو في الاتحاد الإفريقي الملغاشي. فهذه العبارة تكشف كيف كانت الدبلوماسية الموريتانية تحاول تحويل التضامن بين الدول الإفريقية الفرنكوفونية الجديدة إلى أداة يحمي بها كل نظام نفسه من معارضيه المقيمين عند جيرانه. فالسيادة في نظر نواكشوط لم تكن تعني عدم الاعتداء العسكري فحسب، بل تعني كذلك ألا تسمح دولة صديقة بأن تصبح أراضيها منبرا لمعارضة تستهدف دولة عضوا أخرى. ويبدو أن واغادوغو استجابت لهذا المنطق، فاعتقلت مولاي الحسن واستجوبته، ووصل مضمون استجوابه بتفاصيله إلى الدبلوماسي الموريتاني في أيام معدودة.

كما تكشف الوثيقة أن الدولة الموريتانية في سنتها الثانية كانت قد بدأت تبني جهاز رصد خاصا بها، فهي ترسل مبعوثا من النعمة إلى باماكو، وتتلقى تقاريره في عاصمة أخرى، وتستقي أخبار الاستجواب من شرطة دولة مجاورة، ثم تطالب بمراقبة موظف من موظفيها في الحوض. وهكذا نجد في صفحات قليلة شبكتين متقابلتين: شبكة معارضة تمتد من واغادوغو إلى باماكو ومنها إلى تجار النعمة وموظفي دائرة الحوض الشرقي، وشبكة رسمية تمتد من نواكشوط إلى بعثتها الدبلوماسية ومنها إلى شرطة فولتا العليا ومبعوثي قادة الدوائر.

 

 

خاتمة

 

تبين هذه الوثيقة الدبلوماسية السرية المؤرخة في 5 أغسطس 1962 أن اسم "البعث" ظهر في المجال السياسي الموريتاني قبل التاريخ الذي تذكره الدراسات المتاحة بست سنوات على الأقل، وأن أول من رفعه -فيما نعلم إلى الآن- لم يكن طالبا عائدا من دمشق أو باريس، وإنما تاجر موريتاني مقيم في واغادوغو هو مولاي الحسن ولد مولاي ادخيل، الذي أراد أن يؤسس حزبا معارضا يرفض الضم إلى المغرب ويرفض في الوقت نفسه نظام المختار ولد داداه. كما تبين أن هذه المحاولة أجهضت في مهدها باعتقال صاحبها، فلم تترك أثرا في الذاكرة السياسية الموريتانية، ولم يذكرها أحد ممن رووا قصة البعث في موريتانيا، وهذا ما يجعل الوثيقة المكتوبة هنا مكملة للرواية الشفهية ومصححة لتأريخها.

ولا أزعم أن حزب مولاي الحسن هو الفرع الأول لحزب البعث العربي الاشتراكي في موريتانيا بالمعنى التنظيمي، فذلك أمر لا تحسمه وثيقة واحدة، وإنما أردت التنبيه على هذه الوثيقة ودلالاتها، لعل الباحثين في تاريخ الحركات السياسية الموريتانية يجدون فيها خيطا يستحق التتبع في أرشيفات واغادوغو وباماكو ونواكشوط، ولعل من بقي من أهل الرجل أو معاصريه يملك من الأخبار ما يضيء جوانب هذه القصة.

 

 

د. سيدي أحمد ولد الأمير

باحث موريتاني

أحد, 08/11/2026 - 22:48