
ليس الحوار الوطني مجرد اجتماع للأحزاب السياسية، ولا مناسبة لتوزيع المقاعد وفق موازين القوة الانتخابية القائمة، بل هو فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين مختلف الفاعلين السياسيين، وتوسيع دائرة التفاهم حول القضايا الكبرى التي تشغل الوطن. ومن هذا المنطلق، فإن ما تتعرض له بعض أحزاب الأغلبية غير الممثلة في البرلمان من تهميش في ترتيبات الحوار السياسي المرتقب يثير إشكالًا سياسيًا يستحق وقفة جادة قبل أن تتفاقم تداعياته.
إن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح هو: هل يجوز أن يُختزل التمثيل في الحوار الوطني في عدد النواب والمستشارين البلديين؟ وهل يمكن اعتماد نتائج انتخابات جرت قبل سنوات معيارًا لتمثيل أحزاب لم تكن قد حصلت على تراخيصها القانونية عند تنظيم تلك الانتخابات؟
إن اعتماد التمثيل البرلماني والبلدي معيارًا لتحديد الوزن الانتخابي للأحزاب أمر يمكن فهمه في سياقه الطبيعي، باعتبار أن صناديق الاقتراع تعكس اختيارات الناخبين في استحقاق انتخابي محدد. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا المعيار من وسيلة لتقدير الوزن الانتخابي إلى أداة لإقصاء قوى سياسية لم تتح لها أصلًا فرصة المشاركة في تلك الانتخابات، لأنها لم تكن موجودة قانونيًا آنذاك.
فكيف يُطلب من حزب سياسي أن يثبت حضوره الانتخابي في استحقاق لم يكن مرخصًا له بالمشاركة فيه؟ وكيف يُحاسب على غياب التمثيل البرلماني أو البلدي قبل أن تتاح له فرصة التنافس مع بقية الأحزاب؟ أليس في ذلك تحميل له تبعات وضع لم يكن مسؤولًا عنه، وإخضاعه لمعيار لا تتوافر فيه شروط الإنصاف وتكافؤ الفرص؟
إن القضية هنا ليست مطالبة الأحزاب حديثة الترخيص بمقاعد إضافية لمجرد وجودها، ولا التقليل من قيمة التمثيل الشعبي الذي تمنحه الانتخابات، وإنما المطالبة بوضع قواعد عادلة تراعي اختلاف الظروف التي نشأت فيها الأحزاب، وتمنح كل مكون سياسي فرصة حقيقية للمساهمة في نقاش وطني يفترض أن يتجاوز الحسابات الضيقة.
الحوار الوطني ليس برلمانًا آخر، ولا ينبغي أن يكون نسخة مصغرة من الخريطة الانتخابية السابقة. فالبرلمان مؤسسة دستورية تقوم على نتائج الاقتراع، أما الحوار الوطني فهو فضاء سياسي أوسع، يُراد منه جمع الآراء المتباينة، واستكشاف إمكانات التوافق، والبحث عن حلول للمشكلات التي تواجه البلاد. ومن ثم، فإن طبيعة الحوار وأهدافه تقتضي أن تكون معايير المشاركة فيه أوسع من معيار التمثيل الانتخابي وحده.
إن الحوار الذي يسعى إلى بناء توافق وطني حقيقي يحتاج إلى الاعتراف بالوزن الانتخابي للأحزاب الممثلة في المؤسسات المنتخبة، لكنه يحتاج أيضًا إلى الإنصات للأحزاب الأخرى، وإشراكها في النقاش، وإتاحة الفرصة أمامها لتقديم تصوراتها ومقترحاتها بشأن مستقبل البلاد. ولا تعني هذه المقاربة المساواة الحسابية بين جميع الأحزاب بصرف النظر عن حجمها، وإنما تعني التمييز بين احترام الأوزان الانتخابية وضمان المشاركة السياسية المنصفة.
ومن هنا، فإن الغبن الذي تشعر به الأحزاب غير الممثلة في البرلمان لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خلاف على مقاعد داخل لجنة أو هيئة تحضيرية. فالمسألة أعمق من ذلك؛ إنها تتعلق بمفهوم الشراكة داخل الأغلبية، وبمدى استعدادها لاستيعاب مكوناتها المختلفة، وبقدرتها على تحويل التنوع السياسي من مصدر للتنافس السلبي إلى عنصر من عناصر القوة والتكامل.
ولا يستقيم أن تكون بعض الأحزاب جزءًا من الأغلبية الداعمة لبرنامج رئيس الجمهورية، ثم تجد نفسها أمام استحقاق سياسي مهم دون تمثيل يتيح لها المشاركة الفعلية وإبداء الرأي. فالشراكة السياسية لا ينبغي أن تقتصر على تأييد الخيارات والقرارات، بل يفترض أن تمتد إلى المساهمة في إعدادها ومناقشتها، وفق قواعد واضحة يتوافق عليها الشركاء.
إن استمرار التعامل مع هذه المسألة بمنطق الأرقام وحدها قد يفضي إلى نتائج عكسية؛ إذ يمكن أن تتسع دائرة الشعور بالإقصاء، وتتراجع الثقة بين مكونات الأغلبية، وتتحول الخلافات المتعلقة بالتمثيل إلى خلافات أوسع بشأن طبيعة الشراكة ومستقبلها. وعندئذ، لن تكون الخسارة مقتصرة على الأحزاب المتضررة، بل قد تمتد إلى المناخ السياسي العام وإلى فرص نجاح الحوار نفسه.
والأخطر من ذلك أن يؤدي الإصرار على معايير لا تراعي اختلاف الظروف السياسية والقانونية إلى إضعاف الثقة في جدوى الحوار الوطني قبل انطلاقه. فإذا شعر بعض المشاركين بأن مواقعهم محددة سلفًا، وأن حضورهم لا يتجاوز استكمال الصورة الشكلية، فكيف يمكن انتظار مساهمة فعالة منهم في بناء التوافق؟ وكيف يمكن إقناع الرأي العام بأن الحوار يمثل مختلف مكونات الساحة السياسية إذا كانت بعض هذه المكونات تشعر بأنها مستبعدة من ترتيباته منذ البداية؟
إننا لا نريد حوارًا تحكمه الزبونية السياسية، ولا حوارًا تُوزَّع فيه المواقع على أساس القرب والبعد من مراكز النفوذ، ولا حوارًا تتحول فيه الأرقام الانتخابية إلى حواجز تمنع الاستماع إلى أصوات أخرى. ما نريده هو حوار وطني جاد، يقوم على الموضوعية والإنصاف، ويجمع بين احترام نتائج الانتخابات والانفتاح على مختلف القوى السياسية، ويجعل مصلحة الوطن فوق الاعتبارات الحزبية والحسابات الآنية.
فإذا لم تُراجع قواعد التمثيل، ولم تُعالج الاختلالات التي أفرزتها، فإن هناك خطرًا يتمثل في أن يتحول الحوار المرتقب إلى نسخة باهتة من حوارات وطنية سابقة لم تحقق ما كان ينتظره منها المواطنون. أما إذا جرى تدارك الموقف مبكرًا، وفتح نقاش جاد حول معايير المشاركة، فقد تتحول هذه الأزمة إلى فرصة لتصحيح المسار، وتعزيز الثقة، وإرساء تقاليد سياسية أكثر عدلًا وإنصافًا.
ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين التمثيل المتناسب مع الوزن الانتخابي، وبين المشاركة التي تضمن سماع مختلف الآراء. ويمكن تحقيق ذلك من خلال صيغة توافقية تمنح الأحزاب الممثلة في البرلمان وزنها المستحق، وتخصص في الوقت نفسه مساحة مناسبة للأحزاب التي لم تتح لها فرصة المشاركة في الانتخابات السابقة، إلى جانب اعتماد معايير شفافة تراعي الحضور السياسي والتنظيمي والبرامج والمساهمة في الحياة العامة. فالمطلوب ليس إلغاء المعايير، وإنما تطويرها حتى تكون عادلة وقابلة للتطبيق على الجميع.
وكلنا أمل في أن يتدخل فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بما يملكه من مكانة دستورية وسياسية، لتشجيع الأطراف المعنية على احتواء الخلاف، وضمان مشاركة منصفة، وصيانة المسار الوطني من التعثر. إن المسؤولية في هذه اللحظة لا تقتصر على معالجة خلاف حول التمثيل، بل تشمل حماية الثقة السياسية وتوفير الشروط اللازمة لحوار يستطيع أن يقدم للبلاد نتائج ملموسة.
كما أن حماية الحوار من التعثر تتطلب الحذر من كل ما قد يوسع هوة الخلاف أو يحول التنافس السياسي إلى صراع على النوايا والولاءات. فالأجدى هو معالجة الاعتراضات المعلنة بالحوار والشفافية، وتقديم ضمانات عملية لكل طرف بأن صوته مسموع، وأن مشاركته ليست مجرد إجراء شكلي.
إن الوطن اليوم أحوج ما يكون إلى توحيد الجهود، وتوسيع دائرة التفاهم، وتجنب كل ما من شأنه إضعاف فرص الخروج من أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولا يتحقق ذلك بإقصاء المكونات الصغيرة أو تجاهل مطالبها، كما لا يتحقق بالتقليل من وزن الأحزاب التي نالت ثقة الناخبين؛ وإنما يتحقق بإيجاد صيغة عادلة تجمع بين الشرعية الانتخابية وشمولية الحوار.
إن إنصاف أحزاب الأغلبية غير الممثلة في البرلمان ليس مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل هو اختبار لمدى جدية الدعوة إلى حوار وطني شامل. فالحوار الناجح هو الذي يفتح الأبواب أمام الجميع، ويمنح الاختلاف مكانه الطبيعي، ويؤسس لتوافق لا يشعر فيه أي طرف بأنه مجرد رقم زائد أو صوت لا قيمة له.
وعلى من يهمهم نجاح الحوار الوطني أن يتداركوا الموقف قبل فوات الأوان، وأن يدركوا أن العدالة في التمثيل ليست تفصيلًا إجرائيًا، بل شرط أساسي لبناء الثقة وضمان المشاركة الفاعلة.
فهل نغتنم هذه الفرصة لإرساء شراكة سياسية أكثر إنصافًا واتساعًا، أم نترك الخلاف حول المقاعد يهدد مشروعًا وطنيًا يعوّل عليه الموريتانيون كثيرًا؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستتحدد بمدى استعداد الجميع لتقديم التنازلات الضرورية، والاحتكام إلى قواعد واضحة، ووضع مصلحة موريتانيا فوق كل اعتبار.
موريتانيا تستحق حوارًا يتسع للجميع، ويُنصف شركاءها، ويجعل مصلحة الوطن غايته الأولى والأخيرة.
باب ولد سيد اعمر ولد العالم
نائب رئيس حزب النضال من أجل العدالة والتنمية



.jpeg)

.jpeg)