
يحمل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، مساء الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، رئيسة للحكومة المغربية دلالة تاريخية خاصة؛ فهي أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة الحديث، بعدما كلفها الملك محمد السادس بتشكيل الحكومة الجديدة إثر الانتخابات التشريعية الأخيرة.
لكن حضور المرأة في دوائر القرار المغربي يعيد الذاكرة، بعد أكثر من ثلاثة قرون، إلى شخصية نسائية أخرى ارتبط اسمها بالدولة العلوية وبلاد شنقيط (موريتانيا) والفضاء الحساني: خناثة بنت بكار المغفرية، زوجة السلطان مولاي إسماعيل وأم السلطان مولاي عبد الله.
وتنتمي خناثة إلى المغافرة من عرب معقل، وكانت ابنة الشيخ بكار، من بيت ذي مكانة دينية واجتماعية في المجال الصحراوي الحساني. وتصفها مصادر مغربية تاريخية بأنها «من أسرة صحراوية نبيلة»، فيما تربط مصادر أخرى زواجها بمولاي إسماعيل برحلته إلى بلاد شنقيط سنة 1678، وهي التسمية التاريخية للمجال الذي ترتبط به موريتانيا الحالية. كما تصف مصادر رسمية مغربية بيت والدها بأنه من بيوت شنقيط المشهورة بالصلاح والاستقامة.
ولم تكن خناثة مجرد زوجة للسلطان. فالمصادر التي تناولت سيرتها تصفها بأنها كانت عالمة وفقيهة وأديبة، وأن لها رأيًا وتدبيرًا ومشورة في بعض شؤون الرعية. ونقل مؤرخون وصفها بأنها كانت لمولاي إسماعيل «وزيرة صدق وبطانة خير»، كما تشير مصادر مغربية إلى صدور ظهائر ومراسيم عنها في بعض الشؤون القبلية، وإلى أدوار سياسية ودبلوماسية اضطلعت بها.
ولهذا تُقدَّم خناثة أحيانًا بوصفها من أوائل النساء اللاتي مارسن وظيفة سياسية تقارب العمل الوزاري في تاريخ المغرب. وكانت صاحبة نفوذ ومشورة وحضور فعلي في شؤون الدولة.
وبعد أكثر من ثلاثة قرون، يظهر خيط حساني آخر في سيرة فاطمة الزهراء المنصوري. فقد أعلنت المنصوري، خلال نشاط سياسي في الداخلة في سبتمبر 2026، أنها تنتمي إلى قبيلة أولاد دليم.
وأولاد دليم قبيلة حسانية من عرب بني حسان، لا يقتصر انتشارها التاريخي على الصحراء الغربية؛ إذ توجد لها امتدادات معروفة في شمال موريتانيا، خصوصًا في منطقة نواذيبو، وهو ما يجعل انتماءها جزءًا من فضاء قبلي حساني عابر للحدود السياسية الحديثة.
وهنا تبدو المقارنة التاريخية لافتة دون أن تعني تماثل التجربتين: خناثة بنت بكار، القادمة من المجال الموريتاني-الحساني إلى بلاط مولاي إسماعيل، حيث أصبحت صاحبة رأي وتأثير في شؤون الحكم؛ وفاطمة الزهراء المنصوري، التي تعلن انتماءها إلى أولاد دليم، القبيلة الممتدة تاريخيًا بين الصحراء وشمال موريتانيا، وتصل في مملكة المغرب المعاصرة، وبموجب مؤسساتها الدستورية، إلى رئاسة الحكومة.
وبين المرأتين أكثر من ثلاثة قرون، وبين تجربتيهما اختلاف كبير في طبيعة الدولة ومؤسسات الحكم، لكنهما تلتقيان في خيط تاريخي وجغرافي واضح: الفضاء الحساني الممتد بين موريتانيا والصحراء والمغرب، الذي كان، قبل رسم الحدود الحديثة، مجالًا اجتماعيًا وقبليًا واحدًا تتحرك داخله الأسر والقبائل وتتقاطع فيه العلاقات السياسية والمصاهرات.
مولاي سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)