
أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية، ورقة تحليلية جديدة بعنوان "القطيعة الجزائرية–الإماراتية وتحول خرائط النفوذ في المغرب العربي والساحل"، تتناول خلفيات قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة في سبتمبر 2026، وما يكشفه هذا التطور من تحولات أعمق في موازين القوة وأنماط النفوذ داخل المغرب العربي ومنطقة الساحل.
وتنطلق الورقة من أن القطيعة لا يمكن تفسيرها بحادثة منفردة أو بخلاف ثنائي مباشر، إذ إنها جاءت في نهاية مسار تراكمي تداخلت فيه جملة من العوامل الإقليمية والسياسية والأمنية والاقتصادية. وتتابع الدراسة تطور العلاقة من مرحلة احتفظ فيها البلدان بمستوى مهم من التعاون، رغم تباين مواقفهما في بعض الملفات، إلى مرحلة تصاعد فيها الارتياب الجزائري من الدور الإماراتي واتساع حضوره داخل فضاءات ترتبط مباشرة بحسابات الأمن والنفوذ الجزائريين.
وتولي الدراسة اهتماما خاصا لتطور الشراكة الإماراتية–المغربية وموقف أبوظبي من قضية الصحراء الغربية، ثم لتأثير التحولات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، مع تغير علاقات مالي والنيجر وبوركينا فاسو بالقوى الإقليمية والدولية وصعود خيارات وشركاء جدد. وترى الورقة أن أهمية هذه التطورات لا تكمن في وجود منافسين جدد للجزائر فحسب، وإنما في انتقال الساحل إلى بيئة أكثر تعددية، أصبحت فيها الدول المحلية أكثر قدرة على تنويع علاقاتها الأمنية والاقتصادية والسياسية.
كما تربط الورقة بين المنافسة السياسية والتحولات التي تشهدها الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، من خلال مشروعات الطاقة والممرات والطرق والموانئ والربط بين الساحل والأسواق الخارجية. وتتوقف في هذا السياق عند مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب، إلى جانب المبادرة الأطلسية المغربية وطريق تندوف–الزويرات، باعتبارها مشروعات تتجاوز وظائفها الاقتصادية المباشرة إلى التأثير في اتجاهات الاندماج الإقليمي ومراكز العبور والنفوذ.
وتقترح الدراسة لفهم جانب من هذه التحولات التمييز بين القوة الجغرافية التي تستند إلى الموقع والحدود والموارد والاتصال المباشر، والقوة الشبكية التي تعتمد على رأس المال والموانئ والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والعلاقات السياسية والأمنية. ومن خلال هذا المدخل تحاول الورقة تفسير الكيفية التي أصبحت بها دولة بعيدة جغرافيا مثل الإمارات قادرة على بناء حضور مؤثر داخل فضاءات تعدها الجزائر جزءا من بيئتها الاستراتيجية المباشرة.
وتناقش الورقة كذلك الكيفية التي تطور بها إدراك الجزائر للدور الإماراتي، إذ انتقل الخلاف تدريجيا من قضايا تتعلق بالمغرب والصحراء إلى قراءة أوسع تربط بين الحضور الإماراتي في عدد من الملفات الإقليمية، قبل أن تمتد الاتهامات الجزائرية إلى قضايا أكثر اتصالا بالمجال الداخلي، بما في ذلك الإعلام والهوية والتدخل السياسي. وترى الدراسة أن هذا التحول في طبيعة التهديد كما تدركه الجزائر يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم الانتقال خلال سنة 2026 من التحذير إلى تقليص بعض أطر العلاقة ثم إلى القطيعة الدبلوماسية.
ولا تتعامل الورقة مع القطيعة باعتبارها دليلا بسيطا على انتصار طرف أو تراجع آخر، وإنما بوصفها مؤشرا على تغير أوسع في قواعد المنافسة الإقليمية. فالجزائر تحتفظ بعناصر قوة جغرافية وأمنية وطاقوية كبيرة، بينما أثبتت الإمارات قدرة واسعة على بناء شبكات نفوذ عابرة للمناطق، في حين يعزز المغرب حضوره الإفريقي والأطلسي، وتزداد قدرة دول الساحل نفسها على الاستفادة من تعدد العروض والشركاء.
وتخصص الدراسة محورا لموقع موريتانيا داخل هذه التحولات، بالنظر إلى وقوعها عند تقاطع المجال المغاربي والساحلي والأطلسي، واحتفاظها في الوقت نفسه بعلاقات مهمة مع الجزائر والإمارات والمغرب. وترى الورقة أن هذا الموقع يمنح موريتانيا أهمية متزايدة في ظل تصاعد المنافسة على الممرات والطاقة والربط الإقليمي، ويجعلها أقرب إلى عقدة تتقاطع عندها اتجاهات متعددة من النفوذ والمصالح.
وتخلص الورقة إلى أن القطيعة الجزائرية–الإماراتية تتجاوز كونها أزمة دبلوماسية بين دولتين، لتعكس تحولا أوسع في خرائط النفوذ داخل المغرب العربي والساحل، حيث لم تعد المكانة الإقليمية ترتبط بالقرب الجغرافي وحده، وأصبحت تتحدد بصورة متزايدة بقدرة الدول على الجمع بين الموقع والمال والطاقة والممرات والشبكات وبناء مصالح مستدامة عبر الحدود.



.jpeg)

.jpeg)