حين ينطفئ النور… يظهر الفساد: أين أصحاب المأمورية الثالثة

بعيدا عن تفاصيل كارثة الكهرباء، وبعيدا عن تبريرات المسؤولين، هناك سؤال سياسي وأخلاقي أكبر بكثير يفرض نفسه: لماذا لم نسمع من رئيس الجمهورية، ولو كلمة واحدة، تقول بوضوح: عندما ينتهي التحقيق، سيعاقب كل من يثبت أنه كان سببا مباشرا في هذه الكارثة؟ هنا لا أتحدث عن إدانة أحد قبل انتهاء التحقيق. بل أطرح السؤال البسيط: أين المسؤولية؟

إذا كان التحقيق سيحدد أسباب الكارثة، فمن الطبيعي أن يحدد أيضا المسؤوليات، وأن ينتهي الأمر إلى محاسبة كل من ثبت تقصيره أو إهماله أو تسببه المباشر فيها، مهما كان موقعه أو نفوذه. لكن هناك حقيقة أخرى ينبغي ألا تدفن وسط تفاصيل أزمة الكهرباء: السبب الأعمق لمثل هذه الكوارث لا يمكن فصله عن الفساد المستشري، وعن سوء التسيير، وعن ثقافة منح المسؤوليات لأشخاص لا يخضعون للمحاسبة، وعن تحويل مؤسسات الدولة إلى فضاءات للولاءات بدل الكفاءة والمسؤولية. الشعب يريد أن يرى أن المسؤولية لها ثمن، وأن السلطة قادرة على معاقبة المقصرين قبل أن تطلب من المواطنين الصبر والتحمل. ثم هناك سؤال آخر أكثر إيلاما:

 

هل أصبح أقصى ما تستطيع الدولة أن تعد به مواطنيها هو العودة إلى الوضع السابق؟ أي وضع سابق هذا؟ هل كان الوضع السابق إنجازا حتى يصبح هدفا؟ كان ينبغي، في لحظة كهذه، أن يسمع المواطنون قرارات واضحة وحاسمة: إقالة المسؤولين عن الفشل، فتح تحقيق شفاف، تحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
أما أن يخرج الرئيس وحيدا ليواجه غضب شعب غارق في الظلام، بينما تتوارى خلف المشهد شبكة المسؤولين والإدارات والقرارات التي أوصلتنا إلى هذه الكارثة، فذلك يطرح سؤالا أخطر من سؤال الكهرباء نفسه: أين الذين كانوا بالأمس القريب يطالبون بمأمورية ثالثة؟ أين كانوا عندما كانت البلاد تحتاج إلى إصلاح المؤسسات، ومحاربة الفساد، وترسيخ دولة القانون، وبناء منظومة قادرة على حماية مصالح المواطنين؟
إن مأساة الكهرباء اليوم لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها عطبا تقنيا عابرا. إنها لحظة تكشف هشاشة منظومة كاملة. لقد كان المشهد، في رمزيته، اختزالا لسنوات من التراخي والتأجيل والتسويف، ومنح الثقة لمن لا يستحقها، وتمكين أشخاص من إدارة ملفات أكبر من قدراتهم، حتى أصبح المواطن في النهاية هو من يدفع ثمن الأخطاء.
ولذلك، لا نريد كبش فداء. ولا نريد تصفية حسابات. ولا نريد محاكمات سياسية. نريد شيئا أبسط وأعدل: تحقيقا حقيقيا، ومسؤولية واضحة، ومحاسبة عادلة. وربما كان الظهور أفضل من التواري… وربما كان الصمت أبلغ من الكلام.

لكن المؤكد أن الشعب الذي عاش في الظلام لا يحتاج إلى من يشرح له الظلام.
إنه يحتاج إلى من يضيء الحقيقة أولا… ثم يحاسب من أطفأ النور. ويبقى السؤال الأكبر: أين الذين كانوا يطالبون بالأمس القريب بمأمورية ثالثة؟ ماذا يقولون اليوم للشعب الذي دفع ثمن سنوات من الفساد وسوء التسيير؟

اثنين, 24/08/2026 - 13:45